تصعيد عسكري بين واشنطن وطهران: لماذا استُهدفت جزيرة "خارك" النفطية؟ ومشاهد ما بعد الضربات
يبدو أننا ندخل مرحلة جديدة في التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران. ففي وقت متأخر من مساء الجمعة بتوقيت السويد، شنت القوات الأمريكية هجوماً على جزيرة "خارك" النفطية ذات الموقع الاستراتيجي، والواقعة قبالة السواحل الإيرانية في الخليج العربي. ومع تصاعد الدخان بشكل كثيف فوق المنطقة، تتضح ملامح صراع يتسارع بشكل دراماتيكي، ولا أحد يعرف على وجه اليقين أين سيتوقف.
جزيرة خارك: قلب إيران النفطي في مرمى النيران
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد بنفسه الهجمات على منصته "Truth Social"، كاتباً أنهم استهدفوا "جميع الأهداف العسكرية" في جزيرة خارك. تُعتبر هذه الجزيرة شريان الحياة للاقتصاد الإيراني، حيث يمر عبر محطاتها نحو 90% من إجمالي صادرات النفط الخام الإيراني. حرص ترامب على التأكيد أنهم تعمدوا عدم قصف البنية التحتية النفطية نفسها، على الأقل حتى الآن. لكن التهديد يبقى قائماً: إذا حاول أي شخص تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، "فسأعيد النظر فوراً في هذا القرار".
بالنسبة لنا كمتابعين للصراع في الشرق الأوسط طوال هذه السنوات، هذه رسالة كلاسيكية واضحة. الولايات المتحدة تظهر أنها قادرة على توجيه ضربة لقلب عائدات إيران التصديرية في أي لحظة. لكنها في الوقت نفسه تمشي على حبل رفيع. المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي قُتل في وقت سابق من شهر مارس/آذار في هجوم إسرائيلي-أمريكي، وتوعدت إيران بالرد. السؤال ليس ما إذا كانت إيران سترد، بل كيف سيكون شكل هذا الرد.
الخلفيات: من حرب الـ12 يوماً إلى المأزق الحالي
هذا الحدث ليس منعزلاً. نحن الآن في مرحلة حذّر منها العديد من الخبراء، وخاصة هنا في معهد أبحاث الدفاع الوطني السويدي، لفترة طويلة. البداية الفعلية كانت في يونيو/حزيران 2025 بما يُعرف الآن باسم حرب الـ12 يوماً. شنت إسرائيل هجوماً على البرنامج النووي الإيراني في 13 يونيو/حزيران، وفي المرحلة النهائية تدخلت الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل وقصفت ثلاث منشآت نووية كبرى، من بينها منشأة فوردو المحفورة في عمق الجبل.
منذ ذلك الحين، ساد صراع منخفض الشدة بهجمات متفرقة. لكن في أواخر فبراير/شباط من هذا العام، صعدت الولايات المتحدة مجدداً. أولاً، دمروا الدفاعات الجوية الإيرانية، ثم استهدفوا قدراتهم الصاروخية وأسطول الطائرات المسيّرة. والآن، جاء الهجوم على جزيرة خارك. إنها عملية تفكيك منهجي للقدرات العسكرية الإيرانية.
كيف قد ترد إيران؟ ولماذا يُعتبر هذا الأمر بالغ الخطورة؟
التهديد المباشر الآن يطال الجنود والمنشآت الأمريكية في المنطقة. إيران تملك الإرادة والقدرة على الرد. يجب وضع النقاط التالية في الاعتبار:
- أمريكا تملك حوالي 40 ألف جندي منتشرين في أنحاء الشرق الأوسط، من العراق والكويت إلى قطر والسعودية. جميعهم أهداف محتملة.
- مضيق هرمز هو الممر الضيق الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم. أسعار النفط بدأت تتأرجح بالفعل. إذا حاولت إيران إغلاق المضيق أو مهاجمة الناقلات، فسنكون أمام صدمة اقتصادية عالمية.
- الميليشيات الحليفة، مثل "حزب الله" في لبنان أو الميليشيات الشيعية في العراق، يمكن تفعيلها لاستهداف المصالح الأمريكية. في نهاية الأسبوع الماضي، وردت أنباء عن هجوم استهدف السفارة الأمريكية في بغداد.
في المقابل، إيران في وضع ضعيف. دفاعاتها الجوية دُمّرت إلى حد كبير، وقدرتها على إلحاق الضرر بإسرائيل بالصواريخ تبدو محدودة، حيث تم إسقاط معظمها خلال حرب الـ12 يوماً. هذا يقود العديد من المحللين إلى توقع رد غير تقليدي (غير متماثل). ربما ليس غداً، لكن على المدى الأبعد. كما قال خبير في الشؤون الأمريكية مؤخراً: "بمجرد أن يهدأ الغبار، سيلجأون إلى التكتيكات التي أجدت نفعاً معهم على مر السنين: العمليات الإرهابية والحرب غير النظامية".
ماذا سيحدث الآن؟ صراع القوى العظمى وتحالفات مفاجئة
هنا في السويد، يتابع رئيس الوزراء أولف كريسترشون وزعيمة المعارضة ماغدالينا أندرشون التطورات عن كثب. في برنامج "أجيندا" السياسي يوم الأحد، علق كلاهما على الوضع. كريسترشون أبدى انفتاحاً حذراً تجاه الموقف الأمريكي، رغم أنه يمثل تمديداً للقانون الدولي. "الحكم ما زال معلقاً"، قال. "بمعنى، إذا نجحت هذه العملية، فقد تكون مقبولة. أما إذا تسببت في فوضى عارمة في الشرق الأوسط، فستكون مخاطرها جسيمة". أندرشون كانت أكثر انتقاداً، معتبرة أن أمريكا كان يجب أن تمرر أي تحرك عبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
على الساحة الدولية، هناك تطورات لافتة. الصين، التي كانت أهم حليف لإيران وأكبر زبون لنفطها، لم تصدر سوى بيانات إدانة دبلوماسية حتى الآن. لم نر أي دعم عسكري. بعض المحللين يرون أن هذا هو بالضبط ما تسعى إليه واشنطن. فبتحطيم إيران، ترسل الولايات المتحدة رسالة للعالم أجمع، ولحلفاء الصين الآخرين مثل كوبا أو فنزويلا، مفادها أن بكين لن تأتي لنجدتهم عندما تشتد الأمور. عندها تستطيع واشنطن بهدوء تحويل ثقلها العسكري نحو المحيط الهادئ والتركيز على مواجهة الصين.
الحرب على إران إذاً، هي أكثر بكثير من مجرد حرب على إيران. إنها ورقة في لعبة جيوسياسية عالمية أكبر بكثير. وكما يعلّمنا التاريخ، عادةً ما تخلف مثل هذه الألعاب عواقب غير مقصودة. السؤال هو: ما هي هذه العواقب هذه المرة؟