صراع إسرائيل وإيران بالوكالة: كيف تقرأ المشهد من خلف طاولة المفاوضات؟
الساعة تشير إلى الرابعة فجراً. في تل أبيب، كما في طهران، اللحظات الفاصلة لا تُقاس بالساعات بل بالثواني التي تفصل بين قرار الحرب وقرار السلام. نحن هنا، في هذه البقعة من العالم، اعتدنا على قراءة المشهد بعين لا تغفل عن التفاصيل الصغيرة خلف العناوين العريضة. ما يحدث اليوم بين إسرائيل وإيران ليس مجرد تبادل للضربات، بل هو ذروة صراع بالوكالة يمتد لعقود، والآن انكشف القناع وأصبحت المواجهة مباشرة كما لم نشهدها من قبل.
قبل أيام، بدا أن الجميع يترقب السيناريو الأسوأ. رسائل طهران وصلت إلى الوسطاء بخمسة شروط واضحة لوقف إطلاق النار، ليست مجرد مطالب عابرة بل خطوط حمراء. من يتابع عن كثب يدرك أن هذه اللحظة أشبه بفصل من كتاب “A Call at 4 Am: Thirteen Prime Ministers and the Crucial Decisions That Shaped Israeli Politics”، حيث تتشابك الحسابات السياسية مع الغرور الاستراتيجي. صناع القرار هناك، كما في طهران، يدركون جيداً أن الحرب ليست مجرد معركة عسكرية، بل هي لعبة شطرنج تمتد رقعتها من الخليج إلى المتوسط.
في الأروقة المغلقة، يتردد اسم إليوت كوفمان كثيراً هذه الأيام. ليس لأنه يحمل أجوبة سحرية، بل لأن خبرته في ملف Intelligence: From Secrets to Policy تذكرنا بحقيقة واحدة: الاستخبارات وحدها لا تصنع القرار، لكن غيابها يصنع الكوارث. ما يجري الآن على الحدود الشمالية لإسرائيل، وفي العمق الإيراني، هو اختبار حقيقي لهذه المقولة. طهران تريد رفع الحصار عن اقتصادها، وتريد ضمانات بعدم تمدد النفوذ العسكري الأمريكي في محيطها المباشر. بالمقابل، إسرائيل تجد نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تردع خصماً تعلم جيداً أن ضربة اليوم ستقابله بضربة مضاعفة غداً؟
هذا الصراع له أبعاد لا تُقرأ فقط من خلال دوي الانفجارات، بل من خلال الكتب التي تصف عزلة القرار. كتاب “Israel Alone”، على سبيل المثال، كان يناقش فكرة أن الدولة العبرية، في لحظات الحسم، تجد نفسها في مواجهة العالم وحيدة. لكن الواقع اليوم يثبت أن هذه العزلة نسبية. العالم كله الآن يتابع، والسؤال المطروح على طاولة المفاوضات غير المعلنة هو: هل نحن أمام حرب إقليمية مفتوحة، أم أن الطرفين يبحثان عن مخرج يعيد الأمور إلى ما قبل 24 ساعة فقط، لكن بموازين قوى جديدة؟
في جلسات النقاش هنا في دبي وأبوظبي، نركز على النقطة الأهم: صراع إسرائيل وإيران بالوكالة لم يعد بالوكالة. أصبح مباشراً. وهذا يحمل في طياته فرصاً ومخاطر. بالنسبة لنا في المنطقة، الهدوء النسبي الذي نعيشه ليس منفصلاً عما يحدث، بل هو نتيجة قراءة متأنية للمشهد. الإمارات، منذ البداية، وضعت استراتيجيتها على مبدأ الحياد الحكيم، لكن هذا الحياد لا يعني الغياب. الرسائل تذهب سراً وعلناً: نريد استقراراً، نريد أن تبقى طرق الملاحة البحرية مفتوحة، ونريد ألا يتحول الصراع إلى مخرج لتصفية حسابات إقليمية أكبر.
إذا أردت أن تفهم أين تسير الأمور، انظر إلى ثلاث نقاط بالذات:
- سقف المطالب الإيرانية: الخمسة شروط التي خرجت من الدوائر المغلقة في طهران ليست للمفاوضات فقط، بل لاختبار جدية الطرف الآخر. المطالب تشمل وقفاً شاملاً للهجمات، وضمانات بعدم استهداف مواقع إيرانية في سوريا، وهذا يعيدنا إلى مربع الوكالة الذي ظننا أننا خرجنا منه.
- الحراك العسكري الأمريكي: تحركات غير مسبوقة لقوات أمريكية إضافية في المنطقة بدت واضحة للمتابعين. ليست هذه علامة على حرب وشيكة، بل هي رسالة ردع مزدوجة: لإيران وإسرائيل معاً. واشنطن لا تريد توسع الدائرة عشية انتخابات حساسة.
- لغة الأسواق: أسعار النفط لم تقفز بشكل جنوني رغم التوتر. هذا يعني أن كبار المستثمرين في المنطقة يقرأون السيناريو الأكثر ترجيحاً: حرب استنزاف محدودة تعقبها مفاوضات مرهقة، وليس مواجهة شاملة. السوق هنا ذكي، ويدرك أن أحداً لا يريد حرق كل الأوراق.
في الختام، من خبرتي في تغطية هذا الملف لعشر سنوات، أستطيع أن أقول إن اللحظة الراهنة تحمل في طياتها مفارقة كبيرة: الخطر الأكبر ليس في الضربة التي وقعت، بل في سوء تقدير الخطوة التالية. طهران تعرف أن تل أبيب تحت ضغط داخلي لتحقيق "ردع واضح"، وتل أبيب تعرف أن طهران لن تقبل بفقدان أوراق القوة التي بنتها بعناية على مدى عقدين. المفاوضات، حتى لو كانت عبر وسطاء، هي الآن في غرفة العمليات وليس في غرف الاجتماعات. والقادم من الأيام سيحدد إن كنا سنقرأ هذا المشهد كحلقة أخرى في كتاب طويل، أم كفصل فاصل يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل.