عندما يتأخر الغروب: موائد الإفطار في هولندا تجمع الجيران وتُحيي التقاليد
تفوح رائحة الخبز الطازج والبقلاوة الشهية في الشوارع. يترقب الأطفال غروب الشمس بنفاد صبر، وهم يرددون طوال اليوم السؤال نفسه: "كم بقي على الإفطار؟" (İftara ne kadar kaldı?). في غرف المعيشة، ومراكز الأحياء، وحتى في ساحات المدن، تُوضع اللمسات الأخيرة على وجبة الإفطار التي ستفطر الصائمين خلال شهر رمضان. إنها لحظة لقاء ومشاركة وشعور بالدفء وكأنك في بيتك.
على بعد آلاف الكيلومترات، في بلدة إزين (Ezine) التركية، شُهد مؤخراً مشهدٌ مهيب: عشرة آلاف شخص تجمعوا على مائدة واحدة طويلة للإفطار. صورة أثرت بعمق في قلوب الجاليات التركية في هولندا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إنها تُظهر كيف أن الإفطار، مهما كان محلياً، يستدعي دائماً شعوراً عالمياً بالارتباط. سواء كنت في قرية مطلة على بحر إيجة أو في قاعة بحي روتردام-الجنوبي، يبقى الجوهر واحداً: الانتظار معاً، الإفطار معاً، والشكر معاً.
من إزين إلى أمستردام: الإفطار يجمع القلوب
في هولندا أيضاً، تزخر الأنشطة الرمضانية بفعاليات الإفطار. ففي منطقة "جيليبولو" (Gelibolu) على سبيل المثال، نُظم إفطار جماعي كبير مؤخراً ضم مئات الجيران. إنه اتجاه نراه يتزايد باستمرار: الحكومات والمنظمات المحلية تتبنى الإفطار كفرصة لتعزيز الروابط المجتمعية. خذ مثلاً إليف تيكين-إفتار (Elif Tekin-Iftar)، الاسم المعروف في مركز الأنشطة النسائية بمدينة سخيدام (Schiedam). فهي لسنوات عديدة كرست جهودها خلال رمضان لجمع نساء من جميع أنحاء المدينة. "الأمر لا يتعلق فقط بالطعام"، تقول وهي توزع التمر. "بل يتعلق بالشعور بأنك جزء من هذا الكل، وأنكم تنتظرون غروب الشمس معاً."
في الفترة التي تسبق الإفطار، يسود نفس الطقس في كل مكان. تُجهز الموائد وتُحضر الأطباق التقليدية. تعتمد الكثير من العائلات على كتب الطبخ الشهيرة. ففي منزل عائلة يلماز مثلاً، يكثر التقليب في كتاب The Ramadan Cookbook: 80 Delicious Recipes Perfect for Ramadan, Eid and Celebrating Throughout the Year بحثاً عن إلهام لوجبة العشاء. من شوربة العدس الحارة إلى ورق العنب المحشي، تضفي الوصفات بهجة على المائدة بمجرد أن تغرب الشمس.
نكهة الإفطار: من "غازوز" إلى الأطباق الشهية
ماذا يوضع على المائدة تحديداً؟ لمحة سريعة عن الأطباق المفضلة التي تنتشر هذه الأيام في البيوت التركية بهولندا:
- التمر والزيتون: تغرب الشمس، فتُوقظ المعدة برفق.
- الشوربة (غالباً شوربة العدس أو "إيزوجلين"): دافئة ومغذية، البداية التقليدية الكلاسيكية.
- مشروب "إفطارليك غازوز" (İftarlık Gazoz): مشروب تركي غازي منعش بنكهة الفواكه يزداد شعبيته. لا شيء منعش بعد يوم من الصيام مثل كوب بارد منه.
- الخضار المحشية والمعجنات (البوريك): أطباق شهية ومشبعة، مفضلة للصغار والكبار.
- البقلاوة أو "غولاتش": حلويات تُنهي الصيام بابتسامة.
ما يميز الإفطار في هولندا هو هذا المزيج الثقافي. نرى بشكل متزايد جيراناً من غير الأتراك يشاركونهم المائدة، أو أطباقاً تمتزج فيها مطابخ مختلفة. وهكذا يصبح الإفطار وسيلة سهلة ومباشرة للتعرف على الثقافة والتقاليد الإسلامية.
أكثر من مجرد وجبة: قوة المجتمع
سواء كان الأمر يتعلق بتجمع حاشد كما في إزين، أو مبادرة محلية في "جيليبولو"، أو لقاء صغير في أحد مراكز الأحياء بلاهاي: فإن الإفطار يتجاوز كونه مجرد طعام. إنه لحظة تأمل وامتنان، وقبل كل شيء، لحظة تآخ. في وقت يبدو فيه العالم متفرقاً أحياناً، تقدم هذه الأمسيات متنفساً دافئاً وترحيبياً. السؤال "كم بقي على الإفطار؟" لا يُطرح فقط من الجوع، بل من الشوق لتلك اللحظة التي يتوقف فيها المجتمع بأكمله ليحتفل بالحياة معاً. رمضانكم مبارك.