الرئيسية > سياسة > مقال

سنغافورة توجه أول تهمة جنائية بموجب قانون "بوبما" ضد شاب بسبب فيديوهات على تيك توك تثير الفتنة العرقية

سياسة ✍️ Amanda Lee 🕒 2026-03-12 14:44 🔥 المشاهدات: 1
أول تهمة جنائية بموجب قانون بوبما في سنغافورة بسبب تيك توك

يمثل هذا الأسبوع شاب يبلغ من العمر 34 عامًا أمام المحكمة في سنغافورة، وذلك بتهمة انتهاك قانون حماية المجتمع من الأخبار الكاذبة والتلاعب (بوبما)، بعد نشره فيديوهات على تيك توك من شأنها، حسب الاتهامات، إثارة الفتنة بين المجموعات العرقية واحتوت على تصريحات كاذبة ضد الحكومة. وتُعد هذه أول ملاحقة قضائية جنائية منذ دخول القانون حيز التنفيذ في عام 2019، وهو تطور كبير مقارنة بالعشرات من أوامر التصحيح التي صدرت سابقًا.

لطالما استُخدم قانون "بوبما" لسنوات بشكل أساسي لتوجيه إنذارات تصحيح للسياسيين والنشطاء ووسائل الإعلام. لكن هذه القضية الجديدة تعكس تشددًا أكبر: إذ يبدو النائب العام مستعدًا الآن لاستخدام أقصى صلاحياته بتوجيه تهم قد تؤدي إلى غرامات مالية بل والسجن. ويُزعم أن المتهم نشر محتوى تجاوز حدود الخطأ إلى التحريض العلني، مستهدفًا واحدة من أكثر القضايا حساسية في سنغفافورة، ألا وهي الانسجام العرقي.

من أوامر التصحيح إلى قاعات المحاكم

عند إقرار قانون "بوبما"، شددت الحكومة على أنه أداة دقيقة وليست مطرقة ثقيلة، وهدفها تصحيح الأخطاء بسرعة دون كبت حرية التعبير. ولطالما كانت أوامر التصحيح هي الأداة المفضلة، والتي تُلزم المخالف بوضع إشعار إلى جانب منشوره الأصلي يوضح فيه النسخة المدققة من قبل الحكومة.

خلال انتخابات عام 2020، أصبح "بوبما" حديث الشارع. فشهدت تلك الفترة إصدار أوامر تصحيح يومية تقريبًا لمرشحين من مختلف الأطراف. وكانت هيزيل بوا، من حزب التقدم السنغافوري، أبرز من تلقى هذه الأوامر، حيث طُلب منها تصحيح تصريحات أدلت بها حول القوى العاملة. حينها، أطلق المنتقدون على تلك الانتخابات اسم "انتخابات بوبما"، مشيرين إلى أن تدفق أوامر التصحيح جعل من الصعب على الناخبين التمييز بين الحقيقة والدعاية. ومع كل ذلك، برز ما وصفه البعض بـ"بصيص أمل شبابي" تمثل في إصرار الناخبين الأصغر سنًا على البحث في صلب القضايا رغم ضبابية أوامر التصحيح.

الجدل الدائر: حماية أم كتم للصوت؟

لا يقتنع الجميع بسردية الحكومة. فالمؤرخ بي جاي ثوم، في الحلقة الثامنة من برنامجه الصوتي، قام بتفكيك كيفية إمكانية إساءة استخدام قانون "بوبما". وتحمل الحلقة عنوان "كيف تُسن القوانين السيئة وتُساء إدارتها في سنغافورة (دراسة حالة من قانون بوبما)"، ويجادل ثوم فيها بأن التعريفات الفضفاضة للقانون وغياب الرقابة القضائية تتيح للحكومة معاقبة المخالفين تحت غطاء مكافحة الأخبار الكاذبة. ويشير ثوم إلى حالات صدرت فيها أوامر تصحيح ضد آراء شخصية وليست حقائق، واصفًا ذلك بالاتجاه المقلق.

وبينما يمثل رأي ثوم توجهًا أقلوية في سنغافورة (حيث يثق غالبية السنغافوريين بالسلطات في استخدامها المسؤول للقانون)، فإن التهمة الجنائية الجديدة ستعيد إشعال هذا الجدل حتمًا. فهل يمثل صاحب فيديوهات التيك توك تهديدًا حقيقيًا للتماسك الاجتماعي، أم أن الدولة تختبر عضلاتها لكبت حرية التعبير؟

أبرز قضايا "بوبما" حتى الآن

لفهم ما يخبئه المستقبل، من المفيد النظر إلى كيفية تطبيق "بوبما" في السابق:

  • 2019: قضية "الإفطار المشوي" - أول أمر تصحيح يصدر ضد مدون لنشره ادعاءات كاذبة حول تحقيق للشرطة.
  • 2020: حملة انتخابات 2020 - صدر أكثر من 10 أوامر تصحيح خلال الحملة الانتخابية، شملت أحزابًا معارضة وحتى وسائل إعلام دولية بارزة.
  • 2021: إنذارات هيزيل بوا المتعددة - تلقت عدة إنذارات بشأن منشورات لها حول العمالة الأجنبية والبيانات الاقتصادية.
  • 2023: بوابات إخبارية إلكترونية - مواقع مثل بوابة إخبارية إلكترونية مستقلة تلقت إنذارات تصحيح مرارًا قبل أن يتم إغلاقها.

لاحظ أن كل هذه الإجراءات كانت مدنية، ولم يصل أي منها إلى المحكمة... حتى الآن.

ماذا يعني ذلك في المستقبل؟

التحول نحو الملاحقات الجنائية يغير قواعد اللعبة. فبموجب قانون "بوبما"، تصل الغرامة بحق الأفراد المدانين إلى 50,000 دولار سنغافوري والسجن حتى خمس سنوات. والآن، باتت الدولة تملك سلاحًا فتاكًا بوجه من يتعمد نشر الأكاذيب التي تهدد الانسجام العرقي والديني. لكن السؤال يبقى دائمًا حول حسن استخدام هذا السلاح، خاصة مع القوة الكبيرة التي يمنحها القانون.

ستكون قضية التيك توك هذه تحت المجهر من قبل المحامين والنشطاء والصحفيين. فإذا أدانت المحكمة المتهم، فسيخلق ذلك سابقة مفادها أن صناع المحتوى، حتى من كان منهم قليل المتابعين، قد يواجهون عقوبات جنائية. أما إذا نجح الدفاع في توجيه انتقادات حادة لتطبيق القانون، فقد نشهد إعادة نظر في مدى صرامة استخدامه.

شيء واحد مؤكد: لم يعد قانون "بوبما" مقتصرًا على إرفاق إنذارات التصحيح. فقد دخل الآن مرحلة الأصفاد وقاعات المحاكم. وفي دولة مدينة شديدة الترابط مثل سنغافورة، حيث كل فرد ناشر محتمل، تظل هذه قصة تستحق المتابعة.