ريكاردو دارين: يوم فتحت خاين أبواب قلبها (والسبب الطريف وراء موضة "بوزو إل إيترناوتا" العارمة)
ثمة ممثلون نشعر بأنهم منا لدرجة يصعب معها تصديق أنهم لم يولدوا بين ظهرانينا. لكن في حالة ريكاردو دارين، يتجاوز الأمر حب الجمهور. فقبل أيام، خصته خاين باستقبال لا يُنسى، جعلت رسمياً ما شعر به كثير من الأندلسيين منذ سنوات: أن دارين، رغم أنه أرجنتيني المولد، يعتبر واحداً منا منذ عقود. فالمدينة التي شهدت مولده الحقيقي - نعم، مولده، فهو وُلد في بوينس آيرس لكن جذوره العائلية قادته ليطأ أرض خاين قبل وقت طويل من أن يصبح العملاق الذي نعرفه اليوم - منحته لقب "الابن المفضل". ولم يكن الحفل مجرد إجراء مؤسسي، بل حمل تلك النبرة العاطفية الفوضوية التي يميل إليها دارين في أفلامه.
كنت هناك، مختلطاً بالحشود التي احتشدت في الساحة. لم يكن حدثاً حاشداً، لكنه كان حميمياً بامتياز. وكان هناك أمر طريف: كثيرون منا لم يرتدوا فقط ملابسهم الأنيقة ليوم العطلة، بل ظهرت موضة غير متوقعة. فجأة، كنت ترى شباباً، بل ورجالاً في الستين من العمر، يتألقون بسترات رياضية تحمل رسوماً تبدو كأنها خرجت من لوحات قصص مصورة. كان ذلك ظل إل إيترناوتا، تلك التحفة التي قدمها ريكاردو للشاشة بمزيجه الفريد من الجلال والغضب. الطريف أن الموضة لم تكن مجرد سترة عادية، بل كانت بوزو إل إيترناوتا أوفر سايز، تلك القطعة التي أصبحت الزي الرسمي غير الرسمي لعشاق السينما المعاصرين. ولا أعني نسخة رخيصة، بل تلك القمصان ذات التصميمات الجذابة التي تبدو وكأنها تصرخ: "أنا كنت في المخبأ" أو "أنا أعرف ما معنى المقاومة".
يوم تحولت خاين إلى الأرجنتين (دون أن تفقد شيئاً من جوهرها)
كان للتكريم قراءة أراها عبقرية. فخاين، تلك المقاطعة التي تعاني أحياناً من النسيان الإعلامي، قررت أن تحتضن شخصية دارين لتتحدث عن نفسها. ذلك لأن والد الممثل، ريكاردو دارين (نعم، الأب كان يدعى ريكاردو أيضاً، وكان ممثلاً كذلك)، كانت له علاقة وثيقة بأرض خاين. فخلال الحفل، قُريء مقتطف من رسالة يصف فيها دارين الأب خاين بأنها "ذلك المكان الذي أروم العودة إليه دوماً". فالتقط الابن، بفاصلته التي يتقنها، الميكروفون وقال كلمة بدت صدقاً من العيار الثقيل: "والدي علمني حب هذا المكان. أنا لست قادماً في زيارة، أنا قادم إلى بيتي".
في قائمة رعاة هذه المبادرة السياحية الطريفة - لأنها تحمل في طياتها أيضاً هدف جذب الزوار، لكن بذوق رفيع يخفي ذلك - تنوع الحضور. فمن رئيس البلدية الذي اعترف بمشاهدته فيلم "Nueve reinas" ثماني مرات، إلى صاحب حانة في وسط المدينة وضع صورة دارين إلى جانب صورة جده. لقد أدركوا أن سينما دارين (سينما الشخصيات المعقدة والحكم الغامضة) تتوافق تماماً مع الروح الأندلسية. ففي النهاية، لسنا مختلفين كثيراً: كلانا يشتهر بالتحدث بصوت مرتفع، وحل الأمور بالدهاء لا بالكتيبات، وحمل الضغائن بابتسامة.
- رابط الأب والابن: كان ريكاردو دارين الأب ركيزة من ركائز الفن الأرجنتيني، لكنه وجد في خاين ملاذاً عائلياً عرف الابن كيف يبقيه حياً. وهذا الإرث العاطفي هو ما تم الاحتفاء به.
- ظاهرة "ترومان": رغم أن المناسبة كانت للتكريم المؤسسي، إلا أن مشاهد من ذلك الفيلم كانت تتردد باستمرار. لأنه، لنكن صرحاء، عندما نفكر في دارين والصداقة الرجولية، يتبادر إلى أذهاننا شخصيتا خوليان وتوماس.
- موضة "إيترناوتا": ليس من قبيل الصدفة أن المتاجر في خاين نفدت منها السترات الرياضية الضخمة التي تحمل العبارة الأيقونية "من أنتم؟" بعد انتهاء الحفل. فقد جعل المسلسل الأدب يتحول إلى جمالية، وتشينو دارين، الذي كان حاضراً أيضاً (وإن كان أكثر هدوءاً)، أبدى انبهاره بتطور شخصية والده في الثقافة الشعبية.
أجمل ما في الأمر أن هذا التكريم ليس نهاية المطاف، بل هو "لنرى ماذا نبتكر بعد". فأنا على يقين أنهم يخططون لإنشاء مسار سينمائي في الأماكن التي قضى فيها دارين الأب آخر فتراته في إسبانيا، وأفهم أنه قد يتم وضع لوحة تذكارية في الشارع الذي كان يقيم فيه. وفي غضون ذلك، تبنى شباب خاين بدهشة مذهلة جمالية بطل الخيال العلمي الأرجنتيني. فبينما تتمشى في شارع "ألاميدا"، ترى شباباً يرتدون تلك القمصان ذات التصميمات الجذابة التي تمزج بين الخطوط القديمة ورسمة الشخصية ذات الخوذة، فتدرك أن ريكاردو دارين حقق ما لا يقدر عليه سوى القليلون: أن تكرمه مدينة، وأن يمنحها هو، دون قصد، طبقة من الحداثة والفخر بالهوية.
في النهاية، عند التقاط الصورة الرسمية، خلع دارين سترته. كان يرتدي تحتها قميصاً أسود يحمل شعار إل إيترناوتا. لم تكن لفتة إعلانية. بل كانت إيماءة رجل يعرف أن مهنته ليست مجرد ترفيه، بل أن تكون رمزاً يتشبث به الناس. خاين، التي لم تحتج يوماً إلى أضواء كبيرة لتشعر بأهميتها، ردت له الحضن. ونحن، من كنا هناك، غادرنا ونحن نشعر أننا شهدنا شيئاً أكبر من مجرد منح لقب. كان الأمر أشبه برؤية جار غاب طويلاً وعاد منتصراً، لكنه ما زال يطلب نبيذ الأرض وكأنه لم يغب أبداً.
لذا، إن رأيتم أحداً في الشارع يرتدي بوزو إل إيترناوتا أوفر سايز ويحمل كأساً من نبيذ خاين، فلا تسألوه من أين هو. فالأرجح أنه يحتفل بأن العالم أخيراً فهم أن الوطن شعور لا تعترف أحياناً بالحدود. وأن ريكاردو دارين، ذلك الرجل ذو النظرة العميقة والفكاهة الجافة، هو قليلاً منا جميعاً.