ياريف ليفين: الرجل الذي يقود إسرائيل نحو عاصفة دستورية
إذا كنت تتابع عناوين أخبار الشرق الأوسط مؤخرًا، لا بد أن اسم ياريف ليفين يتردد على مسامعك بشكل متزايد. ولكن لفهم التحولات الجيوسياسية التي تهز أركان الساحة السياسية الإسرائيلية الآن، عليك أن تنظر إلى ما هو أبعد من الدراما الائتلافية المعتادة. يجب أن تركز على الرجل الذي يخطط بهدوء -وأحيانًا بصخب شديد- لما يمكن أن يكون أخطر صراع على السلطة تشهده البلاد منذ عقود.
هذه ليست مجرد مشاحنات سياسية عابرة. إنها دراما دستورية شاملة بكل ما للكلمة من معنى، وليفين يقف في بؤرتها تمامًا. انسَ الألقاب الجامدة؛ فكر فيه كمهندس نظام قانوني جديد، سياسي لا يخشى أن يخاطب أعلى محكمة في البلاد ويحدد موقفه منها بكل وضوح. والآن، كل مراقب سياسي في القدس يترقب خطوته التالية بفارغ الصبر.
تحدٍ مباشر للمحكمة العليا
نقطة الاشتعال الأكثر إلحاحًا؟ إنها السلطة القضائية نفسها. منذ أكثر من عام حتى الآن، يلعب ليفين لعبة البوكر عالية المخاطرة مع النظام القضائي. بصفته وزير العدل، يرأس لجنة اختيار القضاة -الهيئة نفسها المسؤولة عن ملء المقاعد الشاغرة في السلك القضائي. المشكلة؟ لقد رفض رفضًا قاطعًا الدعوة إلى انعقادها. ومع تراكم العشرات من الشواغر، نفد صبر المحكمة في النهاية وأصدرت أمرًا مشروطًا تطالبه بإبداء الأسباب. قد تعتقد أن أي وزير في الحكومة كان سيتوخى الحذر وهو يواجه أمرًا من المحكمة العليا. لكن ليس هذا الوزير.
في اجتماع مغلق مؤخرًا في القدس، سُئل بصراحة عما إذا كان سيمتثل لحكم نهائي. لم تكن إجابته بأي حال من الأحوال تعهدًا بالولاء لسيادة القضاء. قال: "سننتظر ونرى"، مضيفًا أن أي شخص يعتقد أنه يمكنه استخدام القوة لحمله على التصرف يرتكب "خطأً فادحًا". وصوّر الأمر على أنه معركة من أجل الديمقراطية نفسها، بحجة أن التشكيل الحالي للجنة يتحيز ضد إرادة الجمهور. فإجباره على تعيين قضاة لا يوافق عليهم، من وجهة نظره، سيكون هو الظلم الحقيقي.
هذا يتجاوز مجرد العناد الإجرائي. لم يخفِ ليفين أبدًا هدفه النهائي. لقد قال صراحةً لمقربين منه أنه إذا فاز الائتلاف الحالي في الانتخابات المقبلة، فسيعتبر ذلك تفويضًا "لتغيير المحكمة العليا من جذورها". ليس الحديث هنا عن تعديلات طفيفة؛ إنه يتعلق بإعادة هيكلة أساسية لميزان القوى بين الكنيست والسلطة القضائية -وهي رؤية أثارت احتجاجات واسعة النطاق في المرة السابقة التي طُرحت فيها.
إشكالية العفو: التنحي جانبًا
بالطبع، لا يمكنك الحديث عن ياريف ليفين في عام 2026 دون التطرق إلى الفيل الموجود في الغرفة: طلب العفو الذي تقدم به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وهنا يصبح المشي على الحبل السياسي رفيعًا كالشفرة.
نتنياهو، الذي يحاكم حاليًا في تهم فساد، قدم طلب عفو قبل أشهر. في الظروف العادية، كان قسم العفو في وزارة العدل سيراجعه ويرفع توصيته إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ، الذي يملك السلطة الدستورية الوحيدة لمنح العفو. لكن ليفين في مأزق. فهو حليف وثيق لنتنياهو. ولتجنب ادعاءات حتمية بتضارب المصالح كانت ستعيق العملية وتعرقلها بالطعون القانونية، اتخذ خطوة محسوبة: فقد نصب نفسه ورمى بهذه القنبلة البيروقراطية كلها إلى وزير التراث أميحاي إلياهو.
وهنا تتعاظم الدراما الداخلية. فبينما تنحى ليفين، تشير المعلومات الواردة من داخل وزارة العدل إلى أن المستوى المهني لم يتردد في إبداء رأيه. تؤكد المصادر أن قسم العفو قدم رأيًا قانونيًا يوصي برفض الطلب. الأساس المنطقي قوي: محاكمة نتنياهو لا تزال جارية، ولم تصدر إدانة نهائية، والأهم من ذلك، أن رئيس الوزراء لم يعترف بالذنب ولم يعرب عن ندمه -وهي شروط أشارت المحكمة سابقًا إلى ضروريتها حتى للعفو قبل الإدانة.
إذن، أهل القانون يقولون "لا". لكن إلياهو، بديل ليفين، هو سياسي يميني متطرف ومن المتوقع أن يدعم نتنياهو. وقد انتقد بالفعل النائب العام لتأخيره، واصفًا القضية بأنها تحتاج إلى "اهتمام فوري" من الرئيس. وهذا يضعنا أمام تناقض صارخ: الرأي القانوني للخدمة المدنية مقابل الولاء للهرم السياسي.
البعد الدولي وماذا بعد؟
وكأن الضغط الداخلي لم يكن كافيًا، فقد جذبت هذه الملحمة انتباهًا دوليًا. ليس سرًا في القدس أن رئيسًا أمريكيًا سابقًا اتصل مؤخرًا بالرئيس هرتسوغ وأسدى له بعض النصائح الصريحة - واصفًا التأخير بالعار، ومجادلاً بأن رئيس الوزراء يجب أن يكون خاليًا من "المشتتات" القانونية للتركيز على شؤون الدولة. ردت دائرة هرتسوغ بالتذكير بأن إسرائيل "دولة ذات سيادة يحكمها حكم القانون" وأن القرارات ستُتخذ دون ضغوط خارجية.
إذن، ما الذي نشهده حقًا؟ إنه فيلم إثارة سياسي من ثلاثة فصول:
- مواجهة المحكمة: ياريف ليفين ضد المحكمة العليا حول تعيين القضاة. يراهن على أن القوة السياسية ستتغلب على الأوامر القضائية، وهو يرفض أن يرمش له جفن.
- مقامرة العفو: أهل المهنة يقولون لا، والمعينون سياسيًا يقولون نعم، والكرة الآن في ملعب الرئيس هرتسوغ بالتأكيد. هل سيتبع الرأي المهني أم سيخضع للضغوط السياسية من ائتلافه الحاكم؟
- استفتاء الانتخابات: صاغ ليفين الانتخابات المقبلة على أنها استفتاء مباشر على السلطة القضائية نفسها. ففوز الائتلاف الحالي سيعتبر بمثابة ضوء أخضر للمضي قدمًا في خطته لإعادة التشكيل.
سواء رأيت فيه مصلحًا يحارب سلطة قضائية متجاوزة لحدودها، أو سياسيًا يعمل على تعزيز سلطته، فشيء واحد مؤكد: ياريف ليفين ليس مجرد وزير آخر. إنه الرجل الذي يجبر إسرائيل على أن تقرر أي نوع من الديمقراطية تريد أن تكون. ومن حيث نقف، لن يتراجع قيد أنملة.