بيروت تحت ظل الصواريخ: حياة، ذاكرة، وصمود مدينة على حافة الهاوية
إذا سبق لك وأن مشيت على الكورنيش عند الغروب، والبحر الأبيض المتوسط يرسم السماء بدرجات البرتقالي والبنفسجي، لأدركت لماذا تحتفظ بيروت بقطعة من روحك حتى بعد مغادرتها بوقت طويل. لكن في هذه الأيام، تشوب الرؤية ضبابية من نوع آخر. ذلك النوع الذي يأتي من متابعة الأخبار بعين والأفق بالأخرى.
أسبوع هز المنطقة
قبل أيام قليلة فقط، بدأت تتردد أخبار في الأوساط الدبلوماسية أحدثت موجات في كل مقهى وعلى كل مائدة في المدينة: تأكيد أن صاروخاً أُطلق من الأراضي الإيرانية كان يستهدف تركيا بالفعل. لم يكن مجرد عنوان آخر في الدوامة اللا متناهية من توترات الشرق الأوسط، بل بدا الأمر شخصياً. هنا في بيروت، أتقنا فن قراءة ما بين سطور لعبة الشطرنج الجيوسياسية. عندما تتحرك القوى الكبرى وتظهر عضلاتها، نحن من يشعر بالهزات الأرضية. التصعيد الأخير من طهران، تلاه ضربات انتقامية جديدة، جعل الجميع يهمس: "هل سنكون التالي؟"
بالنسبة لآلاف العائلات النازحة التي تبحث بالفعل عن ملاذ في مدارس لبنان المكتظة ومخيماته المؤقتة، هذا ليس سؤالاً افتراضياً. إنه كابوس يعيشونه منذ سنوات. قد تكون الحرب قد انتهت رسمياً بالنسبة للبعض، لكن بالنسبة لهم، حالة عدم اليقين لا تتوقف. الأسبوع الماضي، التقيت امرأة في مأوى قرب برج حمود. فرت من سوريا قبل سبع سنوات، والآن تتابع الأخبار من إيران وتركيا بنفس العيون الخاوية. قالت: "هربنا من نار، والآن نقف في وسط أتون."
حكاياتنا التي نحملها: 'يسقط النظام'
في أوقات كهذه، تلجأ بيروت إلى رواة قصصها. إليزابيث ستيفنز، في مذكراتها الصادمة والصريحة يسقط النظام: مذكرات (من نوع آخر)، تلتقط جوهر معنى النشأة في مدينة ترفض أن تُعرف فقط بأزماتها. ستيفنز، التي قضت سنوات تكوينها بين غابات أشرفية الصنوبر وصخب الحمراء الفوضوي، تكتب عن عبثية محاولة بناء حياة طبيعية بينما الأرض التي تحت قدميك تهتز باستمرار. تروي كيف كانت جدتها تخبز الكنافة أثناء القصف، مُصرة على أن "الشيطان لن يمنعنا من الاستمتاع بحلوياتنا". تلك هي الروح - المتحدية، الحلوة، والمرة بعض الشيء - التي تُعرف بها بيروت. الكتاب يُباع كالسخن في مكتبة أنطوان، ليس فقط لأنه يستحق القراءة، بل لأنه يعكس لنا صورتنا كما نحن: شعب يرقص على حافة الفوضى.
كريسماس إن أكشن: مهرجان رغم كل الصعاب
وبالحديث عن الرقص على الحافة، بدأ الحديث بالفعل عن مهرجان كريسماس إن أكشن في فورم دو بيروت. نعم، نحن فقط في مارس/آذار، لكن في هذه المدينة، تخطط للفرح مسبقاً - لأن الفرح يحتاج إلى نية. الفورم، ذلك المبنى الخرساني الشاسع الذي استضاف كل شيء من التجمعات السياسية إلى حفلات الروك، يستعد لما يعد به المنظمون بأنه "احتفال متعدد الحواس بالصمود". الفنانون والموسيقيون والطهاة المحليون يتبادلون الأفكار بالفعل. هناك شائعة بأن زياد الرحباني قد يظهر بشكل مفاجئ. هذا هو الحال في بيروت: بينما يركز العالم على صراعاتنا، ننشغل نحن بتنظيم حدثنا الثقافي القادم. المهرجان لا يتعلق بعيد الميلاد فقط؛ بل يتعلق باستعادة الفضاء العام، والقول بأن الحياة تستمر، وأنها يمكن أن تكون جميلة.
- للنازحين: منظمات الإغاثة تكافح لتلبية الاحتياجات، مع بقاء الشتاء عالقاً في الجبال.
- للفنانين: أماكن مثل الفورم تبقى منارات للتعبير الإبداعي، وغالباً ما تكون مجانية.
- لبقية منا: هو تذكير بأن نبض قلب بيروت أقوى من أي طبول حرب.
نظرة إلى الأمام
عندما تغرب الشمس فوق المرفأ - الذي لا يزال مدمراً جزئياً من ذلك الانفجار المروع قبل خمس سنوات - لا يسعك إلا أن تندهش من الرافعات المنتشرة في الأفق. إعادة الإعمار بطيئة، لكنها تحدث. الصواريخ والذكريات لم تمنع المدينة من إعادة بناء نفسها. ربما يكون هذا هو الدرس الأهم لبيروت: نحن لا ننتظر الاستقرار كي يأتي، بل نخلقه في الفترات الفاصلة بين الأزمات. سواء كان ذلك من خلال تصريحات تصدر من عواصم أجنبية أو أحدث جولة من القصف، يحاول العالم أن يكتب قصتنا نيابة عنا. لكن إذا أنصت جيداً، ستسمع روايتنا نحن، مكتوبة في ضحكات الأطفال وهم يلعبون كرة القدم في الشارع، وفي صفحات مذكرات مثل مذكرات ستيفنز، وفي وعد مهرجان عيد الميلاد الذي يجرؤ على الاحتفال بالحياة.
إذن... نخب بيروت - المغبرة، المجروحة، لكنها مهزومة أبداً. سنستمر في خبز الكنافة، وسنستمر في القراءة، وسنستمر في الرقص. لأنه يسقط النظام؟ ربما. لكن لترتفع الروح؟ دائماً وأبداً.