الرياض تحت الحصار: ماذا تعني ضربة الطائرة المسيرة على السفارة الأمريكية لمدينة المستقبل
دعونا نكون صريحين جدًا بشأن ما حدث في الرياض في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء. بالنسبة لأي شخص تابع الصعود الصاروخي للمملكة - التدفق اللا متناهي للمنتديات الدبلوماسية، التعاقدات القياسية مع نادي النصر، سباق الرافعات الإنشائية المتواصل في الأفق - فإن رؤية ذلك العمود من الدخان يتصاعد من مجمع السفارة الأمريكية كانت بمثابة لكمة قوية. لم يكن الأمر مجرد هجوم على بعثة دبلوماسية؛ بل كان ضربة مباشرة لرواية مستقبل مستقر وآمن وجاذب للاستثمارات التي صاغتها السعودية بعناية فائقة.
لقد أمضيت الجزء الأكبر من عقدين من الزمن أسافر جواً من وإلى الخليج، وأشاهد هذه المدينة تتحول من مجرد مركز مترب ومزدحم إلى عملاق عالمي محتمل. وخلال هذه الفترة، نادراً ما شعرت بتحرك الصفائح التكتونية للجغرافيا السياسية بعنف كما حدث اليوم. صور جدران السفارة المتضررة، وتأكيد وزارة الدفاع السعودية الهجوم بطائرتين مسيرتين، والاعتراض اللاحق لثماني طائرات أخرى بالقرب من العاصمة - كل هذا يرسم صورة لمدينة وجدت نفسها فجأة على خطوط المواجهة الأمامية لحرب لم يرغب بها أحد هنا. يخبرني مصادر داخل الأجهزة الأمنية أن الذعر في غرف العمليات كان ملموسًا؛ فهم ببساطة لم يتوقعوا أبدًا أن يصل الرد بهذا القرب من العرش.
شبح يخيم على الولائم: الأمن والنتيجة النهائية
بالنسبة لكبار المسؤولين التنفيذيين الدوليين الذين يتوافدون على منطقة الرياض لتأمين حصتهم من كعكة رؤية 2030، فإن هذا هو سيناريو الكابوس. يمكنك التحدث عن المشاريع العملاقة والتنويع الاقتصادي بقدر ما تشاء، ولكن الأساس غير المعلن للاستثمار الأجنبي المباشر هو الأمن الحديدي. حالما يتصدع هذا الأساس، تتغير الحسابات. لقد رأينا ذلك فوراً في الأسواق، مع تراجع الأسهم الآسيوية وقفز خام برنت فوق 83 دولاراً مع تهديد الصراع لمضيق هرمز. لكن الضرر الحقيقي الذي لحق لن يُقاس بالعقود الآجلة للنفط؛ بل سيُقاس بثقة المستثمرين.
تأملوا حجم المخاطر الهائل. أي شخص حضر معرض سيتي سكيب العالمي في نوفمبر الماضي سمع الإعلانات: صفقات عقارية مذهلة بقيمة 43 مليار دولار. الأهداف مذهزة أيضًا - الحاجة إلى أكثر من 730,000 وحدة سكنية جديدة في العاصمة وحدها بحلول نهاية العقد. الأمر لا يتعلق فقط ببناء الأبراج؛ بل ببناء مستقبل. وهذا المستقبل يتم تمويله الآن على خلفية ردود فعل إيرانية استهدفت بالفعل ليس فقط السفارات، بل البنية التحتية ذاتها للاقتصاد الإقليمي. تلقيت ثلاث مكالمات منفصلة هذا الصباح من مديري صناديق في لندن يطالبون الآن بإجراء تقييمات عاجلة للمخاطر على ممتلكاتهم السعودية. المال بدأ يشعر بالقلق.
شهد قطاع الصناعة والخدمات اللوجستية نمواً هائلاً. لم تكن تستطيع التحرك دون رؤية الرافعات والمستودعات الجديدة. قفزت الإيجارات بنسبة 16 في المائة العام الماضي، وكنت محظوظاً إذا وجدت متراً مربعاً واحداً شاغراً، مع معدلات إشغال تقترب من 98 في المائة. هذا النمو كان مدفوعاً بالتجارة الإلكترونية والطفرة التقنية، مع قيام عمالقة مثل أوراكل وهواوي بتثبيت أعلامهم. لكن هذا النوع من النمو يتطلب بيئة قابلة للتنبؤ. يتطلب سلاسة نقل البضائع، والأهم من ذلك، الإيمان الراسخ بأن استثمارك آمن. الحرب التي تغلق المجال الجوي، وتهدد طرق الشحن، وتمطر العواصم بالطائرات المسيرة هي أسرع طريقة لتبديد هذا الإيمان. أحد الرؤساء التنفيذيين لشركة لوجستية أعرفه شخصياً يقوم بالفعل بصياغة خطط إخلاء لكبار موظفيه الأجانب.
اللعبة الجميلة تواجه واقعاً قاسياً
ثم هناك لعبة القوة الناعمة، تلك التي استحوذت على خيال العالم أكثر من أي تقرير اقتصادي جاف. إنني أتحدث بالطبع عن كرة القدم. على مدى السنوات القليلة الماضية، كانت الرياض مركز ثورة رياضية. لقد شاهدناها بأعيننا: وصول أيقونات عالمية إلى نادي النصر وغريمهم اللدود نادي الهلال السعودي حول الدوري المحلي إلى رياضة عالمية للمشاهدين. لقد كانت درساً متقناً في استخدام الرياضة لإعادة تشكيل صورة أمة.
لم يكن الدوري السعودي للمحترفين يقتصر فقط على التعاقد مع النجوم؛ بل كان يهدف إلى بيع تذاكر لواقع جديد. أصبحت المباريات في ملعب مرسول بارك ومملكة أرينا أحداثاً لا تُفوَّت، تُبث إلى الحانات وغرف المعيشة من دبلن إلى ديربان. صندوق الاستثمارات العامة المملوك للدولة يضخ الأموال في كل مستويات اللعبة، بدءاً من مبادرات اللياقة البدنية على مستوى القواعد الشعبية - مع تضاعف معدلات المشاركة الأسبوعية أربع مرات تقريباً منذ عام 2015 - وصولاً إلى تشييد ملاعب ضخمة جديدة مصممة لاستضافة كأس العالم 2034. نحن نتحدث عن ملعب بحجم أولمبي يتسع لـ 47,000 متفرج في مدينة القدية الترفيهية، وهو مشروع مصمم ليكون شهادة على الطموح السعودي.
لكن ها هي الحقيقة القاسية: لن يسافر أحد عبر العالم لمشاهدة مباراة كرة قدم رائعة في مدينة يخشون فيها على سلامتهم الجسدية. التقويم الرياضي، من كأس موسم الرياض إلى كأس السوبر الإسباني والإيطالي التي وجدت موطناً مربحاً هنا، يعتمد بالكامل على القدرة في إظهار صورة البهرجة والتألق والأهم من ذلك السلامة. هذه الصورة تكافح الآن لكي تظهر على الشاشات جنباً إلى جنب مع لقطات للسفارات تحترق. أسمع همسات أن ناديين أوروبيين كبيرين على الأقل يعيدان النظر في جولاتهما التحضيرية للموسم المقررة في أغسطس.
القراءة غير المريحة
يقودني هذا إلى كتاب كان موضوعاً على مكتبي، وقد طُويت أطراف صفحاته ووُضعت عليها علامات. إنه كتاب لصحفي وثق هذا العصر من تركيز السلطة ربما أفضل من أي شخص آخر. العنوان يقول كل شيء: "ساعة المفترس: لقاءات مع الأوتوقراطيين وأصحاب المليارات من التقنيين الذين يسيطرون على العالم." هذه العبارة ظلت عالقة في ذهني لأنها تلخص تماماً الصفقة الفaustية التي أبرمها كثيرون من النخبة العالمية مع المملكة. مقابل وصول غير مقيد لرؤوس الأموال وفرصة أن يكونوا جزءاً من تحول تاريخي، كانوا على استعداد للتغاضي عن المخاطر الكامنة في الشراكة مع نظام أوتوقراطي في منطقة مضطربة.
اليوم، لم يعد هذا الخطر مجرد مفهوم نظري يُناقش في غرفة مجلس الإدارة أو يُمرر مرور الكرام في تقرير العناية الواجبة. إنه ندبة حقيقية جداً ومرئية جداً على جدار بعثة دبلوماسية أمريكية. "المفترسون" - أصحاب المليارات من التقنيين والممولين - يواجهون الآن واقع "الساعة" الفوضوي والخطير. السؤال الذي يسأله الجميع لأنفسهم هذا الصباح ليس عن العائد على الاستثمار؛ بل عن الاستقرار.
كيف ستبدو الأسابيع القليلة القادمة لـ الرياض؟ ستبدو كمدينة تحت إنذار دائم. ستبدو كمترو الرياض الذي تبلغ تكلفته 22.5 مليار دولار، وهو أعجوبة من البنى التحتية الحديثة، يعمل بنصف طاقته بينما يلتزم الناس بأوامر البقاء في المنازل. ستبدو كعشرات الآلاف من الأمريكيين الذين يعيشون في المملكة ويُطلب منهم البقاء في منازلهم، حيث أصبح وجودهم الآن عبئاً بدلاً من أن يكون رمزاً للشراكة. أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بالفعل أوامر هادئة بإخلاء الموظفين غير الأساسيين من ست دول في المنطقة - هذا ليس علنياً بعد، لكنه منتشر في الأوساط الدبلوماسية. هذا النوع من الإشارات له تداعياته على النظام البيئي بأكمله.
لا تخطئوا، لن تتردد القيادة السعودية. لقد استثمروا الكثير وقطعوا شوطاً كبيراً. الهجمات على السفارة الأمريكية ستُقابل بقبضة من حديد، وسيتم رفع مستوى الأمن إلى مستويات غير مسبوقة. لكن بالنسبة للرجل العادي في شوارع الرياض، وبالنسبة للخبير الاستشاري الأجنبي الذي يعمل في مشروع عملاق، وبالنسبة لمشجع كرة القدم الذي يأمل في رؤية أحدث نجم يتعاقد معه ناديه، فإن الشعور بالمناعة قد ولّى. لم تعد الحرب مجرد عنوان رئيسي من طهران أو بيروت. إنها هنا، في الحي الدبلوماسي، وقد غيرت كل شيء.
التأثيرات الرئيسية التي يجب مراقبتها في الأيام المقبلة واضحة:
- ثقة المستثمرين: تجميد للاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة غير الأساسية بينما تقوم الشركات العالمية بهدوء بتقييمات المخاطر الطارئة. أسمع بالفعل عن ثلاثة مؤتمرات تقنية كبرى تم تجميدها.
- أزمة التأمين: ارتفاع صاروخي في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على الشحن والمشاريع في منطقة الرياض، مما سيرفع تكلفة ممارسة الأعمال التجارية على الفور بنسب مزدوجة.
- هروب الكفاءات: نزوح للعائلات الأجنبية. المدارس الدولية في الحي الدبلوماسي كانت شبه فارغة اليوم. هذا يؤثر بشكل مباشر على نقل المعرفة الحيوي لرؤية 2030.
- عامل كرة القدم: إلغاء أو نقل محتمل لأحداث رياضية دولية كبرى. الضجة حول هدف الانتقالات التالي لـ النصر قد توقفت تماماً.
- توتر في سوق العقارات: برودة مفاجئة في سوق الإسكان الفاخر، الذي كان المؤشر الرئيسي لثقة المغتربين.
لسنوات، تحدثنا عن الرياض كمدينة المستقبل. اليوم، نحن نتذكر بقسوة أن المستقبل ليس مضموناً. إنه يُبنى، ويمكن أن يتحطم. وفي هذه اللحظة، في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة، فإن السلعة الأكثر قيمة في العاصمة السعودية ليست النفط ولا حتى الذهب. إنها اليقين. واليقين، يا أصدقائي، أصبح فجأة شحيحاً جداً.