حرب إيران وإسرائيل.. كيف ترسم دول الخليج ومنها الإمارات خارطة طريق خارج الاصطفاف؟
عندما تشتعل الحرب بين طهران وتل أبيب، يكون جيران المنطقة هم الأقرب إلى لهيبها. لكن المشهد مختلف اليوم. فدول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، لم تعد تقف في موقع "المشاهد المتفرج"، ولا حتى في خانة "المنساق خلف محور معين". ما نشهده هو لحظة فارغة تعيد تعريف مفهوم "الاستقلالية الاستراتيجية" في واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيدًا.
لحظات حاسمة في الخليج: بين مطرقة التصعيد وسندان الاستقرار
المواجهة الأخيرة التي تجاوزت فيها إيران وإسرائيل كل الخطوط الحمراء السابقة، وضعت عواصم الخليج أمام اختبار لم تشهد له مثيلاً منذ حرب الخليج الأولى. ففي أبوظبي والرياض والدوحة، يدرك الجميع أن الانزلاق نحو تصعيد شامل سيُشكّل تهديدًا مباشرًا لاستقرارها الاقتصادي الذي استغرق عقودًا لبنائه. لم يعد الخيار محصورًا بين "التأييد" أو "الرفض" لأحد الطرفين على حساب الآخر، بل أصبح يتعلق بحماية مقدرات الدولة من خلال إدارة الأزمة ببراغماتية شديدة.
منذ الأيام الأولى للاشتباكات الأخيرة، كان واضحًا أن دول مجلس التعاون الخليجي تتحرك بوتيرة مختلفة عن أي مواجهة سابقة. فلم نشهد اندفاعًا نحو إعلان تحالفات عسكرية جامدة، بل رأينا مشاورات مكثفة خلف الكواليس. هذه ليست حربًا يمكن فيها اختيار صف بناءً على العاطفة أو حتى المصالح الآنية، لأن الخسائر المحتملة أكبر من أن تتحملها أي خزانة دولة.
من حرير الأمس إلى الاستقلال اليوم: قراءة في التحولات الكبرى
ما يحدث اليوم هو تتويج لمسار طويل بدأ قبل أكثر من عقد. فبالنظر إلى خريطة التحالفات في المنطقة، نلاحظ أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى واشنطن باعتبارها "الحامي الوحيد". هذا ليس تقليلاً من قيمة الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، بل هو تطور طبيعي نحو "تعددية التحالفات".
وفي هذه الأثناء، يبرز دور القوى الآسيوية، كالصين والهند، بشكل لم يكن متوقعًا قبل جيل مضى. فبكين لم تعد مجرد شريك تجاري، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في معادلة التوازن الإقليمي. هذه التحولات التي يدرسها الأكاديميون في مراكز الأبحاث العالمية، باتت واقعًا ملموسًا في مكاتب صنع القرار الخليجية. وكانت الإمارات من أوائل الدول التي أدركت أن الأمن لم يعد سلعة حصرية تُشترى من طرف واحد، بل هو نتاج شبكة معقدة من المصالح المتبادلة.
الأوراق على الطاولة: كيف تقرأ أبوظبي المشهد؟
للإمارات حسابها الخاص في هذه المعادلة. هناك ثلاث نقاط أساسية تتحكم في الموقف الإماراتي اليوم:
- الاستقرار الاقتصادي أولاً: تدرك أبوظبي أن أي تصعيد إقليمي سيهدد حركة التجارة والاستثمار الأجنبي التي تقوم عليها رؤيتها الاقتصادية. لذلك نراها دائمًا من أوائل الداعين إلى ضبط النفس والعودة إلى طاولة الحوار.
- تنويع الشركاء العسكريين والأمنيين: فالتعاون مع واشنطن لا يمنع من وجود تفاهمات مع موسكو وبكين لضمان عدم جر المنطقة إلى حرب استنزاف. هذه المرونة منحت أبوظبي مساحة أكبر للمناورة بعيدًا عن سياسة "إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا".
- الخبرة في إدارة الأزمات: من اليمن إلى السودان، مرورًا بملف الطاقة، أثبتت الإمارات أنها تمتلك خبرة متراكمة في التعامل مع الأزمات المتداخلة دون التضحية بالثوابت الوطنية.
ساحات مفتوحة: من عُمان واليمن إلى واشنطن
لا يمكن النظر إلى الصراع الإيراني الإسرائيلي بمعزل عن الساحات الأخرى. فمسقط لعبت دورها التقليدي كوسيط نزيه، بينما ظل اليمن ساحة للصواريخ الباليستية التي تهدد بتوسيع رقعة الحرب إذا لم يتم احتواؤها. وفي واشنطن، يدرك صانع القرار اليوم أن دول الخليج لم تعد "حلفاء تابعين"، بل شركاء لهم مصالحهم المستقلة التي يجب أخذها بعين الاعتبار قبل اتخاذ أي خطوة عسكرية قد تجر المنطقة إلى حرب شاملة لا يرغب فيها أحد.
حتى في ملفات تبدو بعيدة مثل الرياضة الأميركية، نجد أنها أصبحت جزءًا من سردية التطبيع التي تعكس العلاقات العميقة بين الجانبين. هذه الروابط المتشعبة هي التي تجعل من المستبعد جدًا أن تقدم أي دولة خليجية على خيار "قطع العلاقات" أو "الانحياز المطلق" في هذه المرحلة.
الخيار الصعب: هل هناك بديل عن الحرب؟
السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يطرحه المتابعون اليوم هو: هل يمكن لدول الخليج أن تنجح في بناء منطقة "ما بعد الحرب" قبل أن تندلع الحرب الشاملة؟ المؤشرات التي نراها من أبوظبي والرياض تؤكد أن هناك إرادة حقيقية لفك الاشتباك بين الأطراف المختلفة. فالإمارات لم تكتفِ بدور الوسيط، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث عملت على بناء جسور اقتصادية وتكنولوجية مع طهران على الرغم من التوتر الأمني، في محاولة لإظهار أن المصالح المشتركة يمكن أن تكون حاجزًا أمام التصعيد العسكري.
في الأسبوع الماضي فقط، شهدنا اجتماعات مغلقة بين مسؤولين كبار في المنطقة تناولت سيناريوهات ما بعد أي صراع محتمل. الرسالة التي خرجت بها تلك الاجتماعات كانت واضحة: المنطقة لن تتحمل حربًا جديدة، وأي حسابات خاطئة ستكلف الجميع غاليًا. هذه ليست مجرد شعارات دبلوماسية، بل هي خلاصة سنوات من الخبرة في إدارة واحدة من أكثر مناطق العالم اشتعالاً.
بين هذا وذاك، يبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات. لكن ما يمكن الجزم به هو أن دول الخليج اليوم، وعلى رأسها الإمارات، أصبحت لاعبًا رئيسيًا في معادلة السلام والأمن، ليس فقط كوسيط، بل كصانع قرار يمتلك أدواته الخاصة. فالمستقبل لن يحتمل أخطاء الماضي، والجميع يدرك أن الرهان الحقيقي هو على الاستقرار، ولو كان الثمن هو التخلي عن الاصطفافات الجامدة.