فين راسل: الساحر الاسكتلندي الذي بنى مهارته بالحجر والرؤية الثاقبة

يحتاج المرء إلى قدرٍ خاص من "الجنون" ليفعل ما يفعله فين راسل في عمله. الأسبوع الماضي، أمام فرنسا على أرض ملعب موريفيلد المحتدم، وقف خلف خط مرماه مباشرة، واستلم الكرة وثلاثة قمصان زرقاء مندفعة نحوه، وبدلاً من أن يبعثر الكرة إلى المدرجات، أرسل تمريرة "عمياء" خادعة بين اثنين من المدافعين لتستقر برفق في أحضان جناحه. ساد الذهول الجماهير. وتجمد الدفاع الفرنسي. وكل مشجع أيرلندي يشاهد المباراة في منزله أطلق زفرةً ممزوجة بالإعجاب.
هذا هو سر صانع لعب اسكتلندا: إنه يجبرك على المشاهدة، سواء كنت تشجع فريقه أم لا. إنه ذاك الفتى الذي تربى على تكديس الحجارة في ستيرلنغ، وأصبح الآن يقضي عطلاته الأسبوعية وهو يحطم خطوط الدفاع بتمريراتٍ كان يُعتقد أنها مستحيلة. إذا كنت تبحث عن روح هذا الفريق الاسكتلندي، فستجدها في طريقة لعب راسل: حر، جريء، ولمسة من حب التجوال السلتي القديم التي تجعلك تظن أنه سيكون سعيداً بنفس القدر لو كان يعزف على الكمان في الشارع كما هو سعيد بقيادة مباراة دولية كبرى.
من غبار الحجارة إلى أضواء الملاعب
قبل أن يصبح كابوساً لدفاعات الأندية والمنتخبات، كان راسل يعمل بناءً. تعلم المهنة مبكراً، معتمداً على يديه، متلمساً نسيج الجرانيت والصبر اللازم لبناء ما يدوم. لا يزال هذا واضحاً في أسلوب لعبه: كل تمريرة محسوبة، وكل ركلة موزونة كأنه يقص بلاطة حجر. لكن على عكس الحجر، الرغبي سائل ومتحرك، وراسل هو الوحيد في الملعب الذي يعرف إلى أين يتجه المجرى بعد ذلك. تردد مؤخراً خبر خطوبته، أراهن أنه صقل خاتم الخطوبة بنفسه، لأنه لا يفعل الأمور بشكلٍ ناقص.
ربما هي مسألة دقة متناهية وموهبة فطرية، تلك القدرة على معرفة متى ترفع الكرة ومتى تضرب بقوة. قد يكون ارتباطه بعالم الخَبز مجازياً بحتاً، لكن شاهدوه وهو يبني هجمة وستقسمون أنه يعجن العجين، يشكل الكرة حتى اللحظة المناسبة للانفجار. وأما الذين يتساءلون كيف يقرأ المباراة بهذه السرعة؟ لن تفهموا - هذا هو الرد المحتمل لو سألتموه أن يشرح تمريرته العمياء. إنها غريزة، بكل بساطة، مكتوبة في دفتر ملاحظاته الخاص الذي لا يملك مفتاحه سواه.
رؤية صانع اللعب الحقيقي
صدرت مؤخراً وثائقية جديدة تحكي قصة أشهر فريق في تاريخ الـ NBA، من نشأته حتى يومنا هذا. لو كتب أحدهم عملاً مماثلاً عن الرغبي الاسكتلندي، فسيحتاج لفصل عنوانه "عصر فين راسل". هو بهذا المستوى من التأثير التحويلي. أمام فرنسا، حتى عندما كان منتخب اسكتلندا تحت الضغط، كان راسل يفتش ويسبر أغوار الدفاع، باحثاً عن ثغرات لا تبدو موجودة. كان يستلم الكرة متقدماً، ويقف هناك كالتمثال، وحالما ينقض الدفاع عليه، يمرر كرة تخترق الخط وكأنها سكين في زبدة.
خارج الملعب، تشعر أنه يحمل جعبته مليئة بالذكريات والإلهام من أحبائه والأماكن التي زارها. ربما تكون رحلاته عبر المرتفعات الاسكتلندية، أو ليالٍ استمع فيها للموسيقى التقليدية في حانة بغلاسكو. أياً يكن، فهو يغذي إبداعاً لا يمكن تدريبه. إنها الروح نفسها التي تجدها في رواية ليندا هوغان، أغانينا الحنينية، حيث تشكل الجغرافيا والشوق ملامح الشخصيات. راسل يلعب وكأنه رجل لم ينسَ أصوله قط، لكنه يحلم دائماً بالوصول إلى مكان آخر.
ما الذي يحرّكه؟
- التمريرة: ليست دقيقة فحسب، بل هي شعر. يجيد التمرير الحلزوني، القصير، والطائر الذي يتحدى قوانين الفيزياء. يكرهه المدافعون لأنه لا يكشف أبداً عن وجهة الكرة.
- الركلة: من اللعب المفتوح، هو قناص. يسجل أهدافاً من 50 متراً أو يرسل كرات عرضية قاتلة على مسافة لا تتجاوز حبة النقود. تعلم المنتخب الفرنسي هذا بالطريقة الصعبة.
- الإيقاع: يتحكم بإيقاع المباراة كقائد أوركسترا. حين يسرع، يتسارع الفريق كله. وحين يبطئ، تكاد تسمع دندنة المزمار القربى.
للمشجعين الأيرلنديين، راسل هو النوع من اللاعبين الذي تحب أن تكرهه، إلى أن يقوم بحركة جريئة جداً فلا تملك إلا التصفيق. هو "الكابوس" الذي قد يطاردنا في قرعة كأس العالم القادمة، إنه الفنان الذي قد يرسم لاسكتلندا طريقاً للخروج من منطقتها إلى ربع النهائي. ومع اشتعال منافسات بطولة الأمم الستة، يمكنكم المراهنة على أنه سيُخرج المزيد من الأوراق الرابحة من جعبته. عامل البناء لا يزال يشيد، والكاتدرائية لم تكتمل بعد.
لذا، في المرة القادمة التي ترون فيها فين راسل يتراجع لاستقبال ركلة، تقدموا إلى الأمام. أنتم على وشك مشاهدة من يعيش اللعبة كحوار خاص بينه وبين الآلهة. وفي عالم يزداد فيه الرغبي آليةً ورتابة، هذه متعة تستحق الادخار.