تغير المناخ ليس نظرية مؤامرة: كيف قلبت "تقلبات المناخ" موازين الثلوج في أمريكا الشمالية وماذا ينتظرنا في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ 2025؟
صدق أو لا تصدق، بينما كنا هنا في الخليج نستعد لموجة حر قياسية مع بداية الصيف، كان الناس في ولاية كونيتيكت الأمريكية يحفرون سياراتهم من تحت أكوام من الثلج تجاوزت في بعض المناطق 90 سنتيمتراً في مارس الماضي. لا أقول لكم هذا لأروي قصة طقس غريب، بل لأؤكد لكم أن تغير المناخ لم يعد مجرد مصطلح نسمعه في نشرات الأخبار، بل أصبحت "تقلبات المناخ" هي القاعدة الجديدة التي نعيشها جميعاً.
الشتاء الماضي على الساحل الشرقي لأمريكا كان أشبه بفيلم كرتوني. ففي شهر واحد فقط، انخفضت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية لم نشهدها منذ عقود، لدرجة أن بعض المدن سجلت أبرد أيامها منذ عام 1904. كنت أتابع الأرقام وأنا أتحدث مع زملاء في مجال البيئة وتغير المناخ، وكان الجميع متفقاً على أن ما حدث ليس "شتاءً عادياً". العواصف الثلجية لم تكن مجرد ثلوج تتساقط، بل كانت تضرب بعنف ودون سابق إنذار، مما جعل سلطات الطرق تكافح لمواكبة تلك الكميات الهائلة.
الشتاء الأقسى يفضح وهم "الاستقرار"
خلال شهر فبراير وحده، شهدت ولاية كونيتيكت كمية من الثلوج تعادل ما كان يسقط في ثلاثة مواسم كاملة مجتمعة قبل عقد من الزمن. لماذا هذا مهم بالنسبة لنا؟ لأنه هذا هو بالضبط الوجه الآخر لعملة تغير المناخ. كثيرون يعتقدون أن المشكلة تكمن فقط في ارتفاع الحرارة، لكن الحقيقة أن المشكلة هي في اللااستقرار. عندما تمزج الهواء القطبي المتجمد برطوبة غير مسبوقة من المحيط الأطلسي بسبب ارتفاع حرارة المياه، تحصل على عواصف لا تشبه أي شيء عرفناه في الماضي.
هذا ما نشهده اليوم في جميع أنحاء العالم. كندا أيضاً عانت من نفس السيناريو، حيث سجلت هيئة البيئة وتغير المناخ الكندية تحذيرات غير مسبوقة من خطورة التذبذب الحاد في درجات الحرارة. لا أحد في العالم بمنأى عن هذا التأثير، سواء كنا في الرياض أو الدوحة أو نيويورك.
قمة المناخ 2025.. لحظة الحقيقة
كل هذا يحدث ونحن على أعتاب حدث عالمي مصيري هو مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ 2025. القادم سيكون مختلفاً. بعد سنوات من النقاشات النظرية، أصبح العالم يدرك أن تغير المناخ هو قضية أمن قومي قبل أن يكون قضية بيئية. التوقعات تشير إلى أن هذا المؤتمر سيكون أكثر جدية من سابقاته، حيث أن البيانات التي خرجت من الشتاء الماضي وضعت الجميع أمام حقيقة لا تقبل الجدل: لا يمكننا التعامل مع تقلبات المناخ بأساليب الأمس.
للأسف، بعض الأطراف ما زالت تراهن على أن المشكلة بعيدة عنا. لكنني أرى أن ما حدث في كونيتيكت وكندا وفي أجزاء من أوروبا هو إنذار أخير. إذا فشلت القمة القادمة في وضع آليات تنفيذية حقيقية، فسنكون جميعاً أمام مواسم متطرفة لا نهاية لها.
ماذا يعني هذا لنا في منطقتنا؟
- شح المياه: التغيرات في المناخ القطبي تؤثر على تيارات المحيطات، مما ينعكس على أنماط الأمطار في منطقتنا، وهو ما يعني أن فترات الجفاف قد تطول وتقصر بشكل غير متوقع.
- تأثير مباشر على الطاقة: موجات الحر التي ستشتد ستضغط على شبكات الكهرباء لدينا بشكل غير مسبوق، وهذا يعني أن استراتيجيات الطاقة النظيفة لم تعد رفاهية بل ضرورة لاستمرارية الحياة.
- الأمن الغذائي: العالم كله سيتأثر في مواسم الزراعة، وهذه سلسلة إمداد لا يمكن لأي بلد أن ينفصل عنها، حتى لو كان منتجاً للنفط.
أنا لا أتحدث هنا كخبير نظري، بل كمن يتابع هذه الملفات منذ سنوات. البارحة كنت أقرأ تقارير عن آثار العواصف الثلجية في كونيتيكت، وتذكرت أن الجدل قبل عشر سنوات كان يدور حول "هل التغير المناخي حقيقي أم لا؟". أما اليوم، فالجدل يجب أن يكون حول "كيف سنحمي أطفالنا من هذه التقلبات الجنونية؟".
قبل أيام، تحدثت مع أحد المسؤولين في قطاع البيئة، وقال لي حرفياً: "المشكلة أن التغير المناخي لم يعد قادماً ببطء كما توقعنا. هو يقتحم حياتنا الآن، وهذا ما رأيناه بأعيننا في شدة الثلوج هذا العام وفي الحرائق التي ضربت أجزاء من أستراليا وكندا في وقت واحد."
الخلاصة واضحة: نحن أمام مرحلة جديدة من تغير المناخ. المرحلة التي كانت تسمى "التوقعات المستقبلية" أصبحت "النشرة الجوية اليوم". ومع اقتراب موعد مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ 2025، الأمل معقود على أن تتوقف الحكومات عن المناورة السياسية وتنظر إلى الأرقام. الثلوج التي غطت كونيتيكت لم تكن مجرد منظر جميل للصور، بل كانت فاتورة باهظة الثمن دفعها دافعو الضرائب هناك، وهي فاتورة قد ندفعها جميعاً بطريقة أو بأخرى إذا لم نأخذ هذه القضية على محمل الجد الآن.