الرئيسية > عالم > مقال

تغير المناخ ليس نظرية مؤامرة: كيف قلب "تقلب المناخ" موازين الثلوج في أمريكا الشمالية وماذا ينتظرنا في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ 2025؟

عالم ✍️ خالد السيف 🕒 2026-03-24 10:38 🔥 المشاهدات: 2
تغير المناخ

صدق أو لا تصدق، بينما كنا هنا في الخليج نستعد لموجة حر قياسية في بداية الصيف، كان الناس في ولاية كونيتيكت الأمريكية يحفرون سياراتهم من تحت أكوام من الثلج وصلت في بعض المناطق إلى أكثر من 90 سنتيمتراً في مارس الماضي. أنا لا أقول لكم هذا لأخبركم بقصة طقس غريب، بل لأقول لكم إن تغير المناخ لم يعد مجرد مصطلح نسمعه في نشرات الأخبار، بل أصبح "تقلب المناخ" هو القاعدة الجديدة التي نعيشها جميعاً.

الشتاء الماضي في الساحل الشرقي لأمريكا كان أشبه بفيلم كارتوني. في شهر واحد فقط، هبطت درجات الحرارة إلى أرقام قياسية لم نشهدها منذ عشرات السنين، لدرجة أن بعض المدن سجلت أبرد أيامها منذ عام 1904. كنت أتابع الأرقام وأنا أتحدث مع زملاء في مجال Environment and Climate Change، والكل كان يتفق على أن ما حدث ليس "شتاء عادياً". العواصف الثلجية لم تكن مجرد ثلوج تتساقط، بل كانت تجيء بشكل عنيف وغير متوقع، ما جعل سلطات الطرق تكافح لمواكبة الكميات الهائلة.

الشتاء الأقسى يفضح وهم "الاستقرار"

خلال شهر فبراير وحده، شهدت ولاية كونيتيكت كمية من الثلوج تعادل ما كانت تسقط في ثلاثة مواسم كاملة مجتمعة قبل عقد من الزمن. لماذا هذا مهم بالنسبة لنا؟ لأن هذا هو بالضبط وجه العملة الآخر لـتغير المناخ. كثيرون يعتقدون أن المشكلة هي فقط في ارتفاع الحرارة، لكن الحقيقة أن المشكلة هي في اللااستقرار. عندما تخلط الهواء القطبي المتجمد مع رطوبة غير مسبوقة من المحيط الأطلسي بسبب ارتفاع حرارة المياه، تحصل على عواصف لا تشبه أي شيء كنا نعرفه في الماضي.

هذا ما نراه اليوم في جميع أنحاء العالم. كندا أيضاً عانت من نفس القصة، حيث سجلت هيئة Environment And Climate Change Canada تحذيرات غير مسبوقة من خطورة التذبذب الحاد في درجات الحرارة. لا أحد في العالم بمنأى عن هذا التأثير، سواء كنا في الرياض أو الدوحة أو نيويورك.

قمة المناخ 2025.. لحظة الحقيقة

كل هذا يحدث ونحن على أعتاب حدث عالمي مصيري هو مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ 2025. القادم سيكون مختلفاً. بعد سنوات من النقاشات النظرية، أصبح العالم يدرك أن تغير المناخ هو قضية أمن قومي قبل أن يكون قضية بيئية. التوقعات تشير إلى أن هذا المؤتمر سيكون أكثر جدية من سابقاته، حيث أن البيانات التي خرجت من الشتاء الماضي وضعت الجميع أمام حقيقة لا تقبل الجدل: لا يمكننا التعامل مع تقلب المناخ بأساليب الأمس.

للأسف، بعض الأطراف ما زالت تراهن على أن المشكلة بعيدة عنا. لكنني أرى أن ما حدث في كونيتيكت وفي كندا وفي أجزاء من أوروبا هو إنذار أخير. إذا فشلت القمة القادمة في وضع آليات تنفيذية حقيقية، فسنكون جميعاً أمام مواسم متطرفة لا نهاية لها.

ماذا يعني هذا لنا في منطقتنا؟

  • شح المياه: التغيرات في المناخ القطبي تؤثر على تيارات المحيطات، مما ينعكس على أنماط الأمطار في منطقتنا، وهو ما يعني أن فترات الجفاف قد تطول وتقصر بشكل غير متوقع.
  • تأثير مباشر على الطاقة: موجات الحر التي ستشتد ستضغط على شبكات الكهرباء لدينا بشكل غير مسبوق، وهذا يعني أن استراتيجيات الطاقة النظيفة لم تعد رفاهية بل ضرورة لاستمرارية الحياة.
  • الأمن الغذائي: العالم كله سيتأثر في مواسم الزراعة، وهذه سلسلة إمداد لا يمكن لأي بلد أن ينفصل عنها، حتى لو كان منتجاً للنفط.

أنا لا أتحدث هنا كخبير نظري، بل كمن يتابع هذه الملفات منذ سنوات. البارحة كنت أقرأ تقارير عن آثار العواصف الثلجية في كونيتيكت، وتذكرت أن الجدل قبل عشر سنوات كان يدور حول "هل التغير المناخي حقيقي أم لا؟". أما اليوم، فالجدل يجب أن يكون حول "كيف سنحمي أطفالنا من هذا التقلب الجنوني؟".

قبل أيام، تحدثت مع أحد المسؤولين في قطاع البيئة، وقال لي حرفياً: "المشكلة أن التغير المناخي لم يعد قادماً ببطء كما توقعنا. هو يقتحم حياتنا الآن، وهذا ما رأيناه بأعيننا في شدة الثلوج هذا العام وفي الحرائق التي ضربت أجزاء من أستراليا وكندا في وقت واحد."

الخلاصة واضحة: نحن أمام مرحلة جديدة من تغير المناخ. المرحلة التي كانت تسمى "التوقعات المستقبلية" أصبحت "النشرة الجوية اليوم". ومع اقتراب موعد مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ 2025، الأمل معقود على أن تتوقف الحكومات عن المناورة السياسية وتنظر إلى الأرقام. الثلوج التي غطت كونيتيكت لم تكن مجرد منظر جميل للصور، بل كانت فاتورة باهظة الثمن دفعها دافعو الضرائب هناك، وهي فاتورة قد ندفعها جميعاً بطريقة أو بأخرى إذا لم نأخذ هذه القضية على محمل الجد الآن.