ألفريد نول في ذمة الله: تأبين المحامي والسياسي وصاحب الرؤى المخالفة
تخيلوا معي محامياً لا يكتفي بإتقان المواد القانونية أثناء نومه، بل يؤلف أيضاً كتباً ضخمة عن توماس هوبز – ثم يخوض غمار العمل السياسي بعد كل هذا. هذا هو ألفريد ي. نول، الذي وافته المنية بعد عيد الميلاد بوقت قصير عن عمر ناهز 63 عاماً. خسارة فادحة للساحة القانونية النمساوية، ولكل من عرفه كمناظر لاذع.
بالنسبة للكثيرين، كان ببساطة هو "ألفريد نول" – المحامي صاحب الصوت الهادئ والحجج القاطعة. من تعامل معه أمام القضاء ولو لمرة، لا يمكنه أن ينسى هذا الرجل بسهولة. سواء تعلق الأمر بقضايا سياسية شائكة أو بأسئلة دستورية جوهرية – كان نول دائماً ضامناً للعمق الفكري والأفكار غير التقليدية. كانت بصمته واضحة: لمسة من الفلسفة في صميم العمل القانوني اليومي.
من أستاذ جامعي إلى سياسي
وُلد عام 1960، وحقق ألفريد ي. نول مسيرة أكاديمية لامعة في وقت مبكر. نال شهادة التأهيل الجامعي (Habilitation)، وأصبح أستاذاً للعلوم القانونية في الجامعة – لكن هذا لم يكن كافياً له أبداً. أراد الخروج من برجه العاجي والانغماس في صخب الحياة. لذا، لم يقتصر على كتابة الأطروحات العلمية (من بينها عمل مؤثر عن توماس هوبز)، بل أسس أيضاً مكتب محاماة خاص به. ثم في عام 2008، دخل البرلمان (المجلس الوطني) عن حزب الخضر. ظلّ لمدة ثلاث سنوات يحرك المشهد السياسي الاتحادي، حتى قرر عام 2011 العودة للتركيز الكامل على المحاماة.
قانوني بغريزة سياسية
كنائب في البرلمان، لم يكن ألفريد نول ممن يطيعون خط الحزب بطاعة عمياء. ظل دائماً صاحب رؤى مخالفة، رجلاً يفضل التفكير ملياً قبل إصدار أي حكم. هذا لم يجعله مريحاً دائماً – لكنه جعله دائماً جديراً بالثقة. في جلسات لجنة التحقيق في قضية بنك "هيبو ألبا أدريا"، أظهر مرة أخرى كل مهاراته: كمراقب قانوني نيابة عن منظمة "كاريتاس" الخيرية، حيث كشف بدهائه القانوني عن المتلاعبين الحقيقيين.
اتسمت مسيرته المهنية بتنوع مذهل:
- كمحامٍ: تولى الدفاع في قضايا شديدة الحساسية، مثل تمثيل منظمة "كاريتاس" في لجنة تحقيق "هيبو" أو الدفاع عن المبلغين عن المخالفات (Whistleblower).
- كمؤلف: له العديد من المنشورات، بما في ذلك العمل الذي كثر الاقتباس منه "توماس هوبز – ألفريد ي. نول: مقاربة" ومقالات لا تُحصى في فلسفة القانون والقانون الدستوري.
- كسياسي: نائب في البرلمان (المجلس الوطني) عن حزب الخضر (2008–2011) مع تركيزه على القضاء والدستور.
- كإنسان: كان يستمتع بالهدوء، وكان يخفي وراء مظهره المفكر غالباً دعابة بارعة.
بالحديث عن الدعابة: أحياناً كان اسمه يُكتب خطأ في وسائل الإعلام على أنه "ألفريد نولر". يُقال إنه كان يبتسم لذلك باستخفاف – المهم عنده كان المضمون. وكان مضمونه صائباً دائماً تقريباً. عندما كان يرافع أمام المحكمة الدستورية، لم يكن القضاة فقط من يستمعون باهتمام، بل أيضاً الزملاء الشباب الذين كانوا يتوقون للتعلم منه.
تأبين يملؤه الأسى
يترك رحيله فراغاً كبيراً. في الأيام الأخيرة، ودّعه رفاق الدرب من الوسطين السياسي والقضائي، واتفق الجميع على أن ألفريد ي. نول كان قانونياً تتمنى البلاد المزيد من أمثاله – ذكياً، نزيهاً، دائم البحث عن الحقيقة خلف نصوص القانون. ورد من أوساط قضائية أن الجمهورية تخسر أحد أبرز عقولها. يتذكره زملاؤه بأسلوبه الهادئ، بتوقفاته القصيرة قبل الإجابة التي كان يزن فيها كل كلمة بميزان الذهب. ويتذكرون أيضاً قدرته على تحليل القضايا المعقدة بحيث يفهمها حتى الشخص العادي. هذا بالضبط ما يصنع قانونياً عظيماً – ليس حفظ النصوص، بل شرح معنى العدالة.
بهذا المعنى: ارقد بسلام، ألفريد نول. لقد خسرت الجمهورية أحد ألمع عقولها.