صراع إيران وإسرائيل بالوكالة يشتعل: طهران ترفض الدبلوماسية وتهدد بتعطيل النفط وسط حرب استنزاف مفتوحة
في مشهدٍ يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، تتجاوز تداعيات الصراع الإيراني الإسرائيلي (2024–الآن) الحدود الجغرافية لتضرب في عمق الاقتصاد العالمي. فبعد عشرة أيام من بدء العملية العسكرية، لم يعد السؤال يدور حول ميدان المعركة فحسب، بل حول القدرة على الصمود في حرب استنزاف مفتوحة، تعتمد فيها طهران على ورقة النفط كورقة ضغط استراتيجية لقلب الطاولة على واشنطن وحلفائها.
طهران تُغلق باب الدبلوماسية: "لا مجال للحوار"
في تصعيد لافت، أغلقت إيران كل الأبواب السياسية مؤقتاً. ففي مقابلة حصرية، أكد كمال خرازي، مستشار قائد الثورة الإسلامية في الشؤون الخارجية، أن الدبلوماسية لم تعد مطروحة على الطاولة في الوقت الراهن. وقال صراحةً: "لا أرى أي مجال للدبلوماسية بعد الآن... الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي من خلال إلحاق الألم الاقتصادي". هذا الموقف المتشدد يأتي بعد أيام قليلة من تولي القيادة الجديدة في إيران، مما يشير إلى تبنٍّ استراتيجي لسياسة تصعيدية تعتمد على الضغط على الدول الغربية والخليجية من خلال زعزعة استقرار أسواق الطاقة.
الرسالة الإيرانية واضحة: طهران مستعدة لمعركة طويلة، وتريد للعالم أن يختار بين استمرار الضربات أو استقرار إمدادات النفط. خرازي لم يترك مجالاً للشك، محذراً من أن استمرار الحرب سيزيد الضغط الاقتصادي على الجميع "من حيث التضخم ونقص الطاقة"، مما سيضرب مصالح الدول الأخرى مباشرة.
ميزان القوى: أرقام صادمة وحرب استنزاف
على الجانب الآخر، يقدم الجيش الإسرائيلي أرقاماً تعكس شراسة المواجهة. المتحدث باسم الجيش أفاد بأن العمليات أسفرت عن مقتل حوالي 1900 جندي وقائد إيراني منذ بداية النزاع. في المقابل، لم تسلم إسرائيل من الردود؛ فصواريخ إيرانية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى في عمق الدولة العبرية، آخرها مقتل عامل بناء في وسط إسرائيل. ومع ذلك، فإن قدرة إسرائيل على جمع هذه المعلومات الدقيقة عن الخسائر ليست وليدة اللحظة؛ إنها ثمرة عقود من العمل الاستخباري الذي أسسه رجال مثل مهندس التجسس الذي بنى "الموساد" ليصبح أقوى جهاز استخباراتي في العالم، قادر على اختراق أعتى الدوائر الإيرانية.
لكن الميدان العسكري ليس الوحيد الساخن. ففي مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط، تحتدم معركة كلامية خطيرة. الحرس الثوري الإيراني توعد بعدم السماح بتصدير "قطرة نفط واحدة" من المنطقة إذا استمرت الهجمات. وعودٌ قابلها تهديد مضاد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي حذر من أن أي محاولة لوقف حركة الناقلات ستقابل بضربة أمريكية "أشد قسوة بعشرين مرة" مما حدث حتى الآن.
استراتيجية "الفسيفساء الدفاعية": كيف تدير إيران المعركة؟
ما الذي يمنح إيران هذه الثقة لخوض حرب استنزاف بهذا الحجم؟ الجواب يكمن في عقيدة عسكرية جديدة تعرف باسم "الدفاع اللامركزي بالفسيفساء" (Decentralized Mosaic Defense). هذه الاستراتيجية، التي طورتها في الأصل وكالة "داربا" الأمريكية، تعتمد على:
- تشتيت القيادة: لا يوجد "عقل مركزي" واحد يمكن تدميره، بل صلاحيات موزعة على مستويات متعددة.
- سلاسل خلافة عميقة: تم إعداد قادة بدلاء حتى ثلاثة مستويات متتالية لضمان استمرار العمليات حتى لو تم اغتيال القادة الميدانيين.
- الاعتماد على وكلاء غير تقليديين: استخدام جماعات موزعة جغرافيا بأسلحة غير متماثلة (مسيّرات وصواريخ) لإرباك الخصم وإرهاقه.
هذا النموذج يجعل مهمة إنهاء الحرب "بحسم عسكري سريع" شبه مستحيلة، وهو ما تدركه واشنطن وتل أبيب جيداً. إيران راهنت على أن الصبر الاستراتيجي الأمريكي والإسرائيلي سينفد قبل مخزونها البشري والعسكري اللامركزي. وفي الوقت نفسه، فإن الجدل الدائر في الغرب حول ما يسمى "معاداة السامية التقدمية" (Woke Antisemitism) يشتت الانتباه عن المأساة الإنسانية ويقسم الرأي العام، مما يصب في مصلحة طهران التي تسعى لخلخلة التحالفات الدولية.
هل اقتربت النهاية؟ ترامب يعلن ويحذر
في تطور دراماتيكي، خرج ترامب ليقدم رسالة متناقضة ظاهرياً. فمن جهة، أعلن أن الحرب "ستنتهي قريباً جداً" وأن الأهداف الأمريكية "تحققت إلى حد كبير". لكنه من جهة أخرى، أيد تحذيرات وزير دفاعه بأن "المعركة بدأت للتو". هذا التناقض يعكس حالة من الجمود: ضربات ناجحة عسكرياً، لكنها غير حاسمة استراتيجياً.
اللافت كان الاتصال الهاتفي الذي جمع ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث تركز النقاش حول "الحل السياسي السريع" للصراع في إيران. موسكو، التي أبدت دعماً "ثابتاً" لإيران، يمكن أن تلعب دور الوسيط في المرحلة المقبلة. وبالنظر إلى المصالح الروسية الممتدة من أقصى الشمال إلى الشرق الأوسط، فإن أي اتفاق سينال مباركة الكرملين، خاصة إذا ضمنت موسكو عدم تحول الصراع إلى مستنقع جديد يستنزف حلفاءها.
يبقى السؤال الأهم: من سيغمض عينه أولاً في لعبة "البوكر" الدولية هذه؟ هل تنجح استراتيجية الصراع الإيراني الإسرائيلي بالوكالة في فرض واقع جديد، أم أن القدرة الأمريكية على التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي سترغم طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة؟ الأيام المقبلة، مع استمرار زئير المدافع في الجنوب اللبناني وصافرات الإنذار في تل أبيب، وحدها كفيلة بالإجابة.