جعفر بناهي والعدسة التي لا تنحني: لماذا تكتسب سينماؤه أهمية أكبر من أي وقت مضى
على مدى العقدين الماضيين، لم يجسد أي مخرج الالتحام الخام بين الفن والتحدي مثل جعفر بناهي. وبينما تهيمن على عناوين هذا الأسبوع نقاشات حادة حول الصراع غير المتكافئ بين السينما ورجال الدين، وبينما نستوعب الشهادات المفجعة لأمثال مهدي محموديان ممن شهدوا عن كثب داخل نظام السجون الإيراني، تبقى حقيقة واحدة بديهية: الكاميرا، في يدي بناهي، هي أقوى سلاح يملكه. إنها لا تطلق رصاصاً؛ بل تطلق حقيقة.
بالنسبة لأولئك منا الذين تابعوا السينما الإيرانية منذ العصر الذهبي لعباس كيارستمي، يمثل بناهي الفصل التالي والأكثر اضطراباً. لقد أخذ النزعة الإنسانية الشعرية لمعلمه وضخ فيها تياراً من الإلحاح السياسي الخام. أعماله الأخيرة، التي غالباً ما تُصنع في الخفاء وتُهرّب للخارج على ذاكرة USB، ليست مجرد أفلام؛ بل هي بلاغات من خط المواجهة. لكن دعونا نتنحى جانباً عن السياسة للحظة وننظر إلى المنتج نفسه، لأنه حيث يكمن الجوهر الحقيقي والقيمة الدائمة - ثقافياً، ونعم، تجارياً أيضاً.
سيارة الأجرة التي واجهت العالم
لا يمكنك مناقشة جعفر بناهي دون التوقف عند تحفته عام 2015، تاكسي. الفيلم الذي صُوّر بالكامل من كاميرا مثبتة على لوحة قيادة سيارة الأجرة التي يقودها في شوارع طهران، حطم كل القواعد المعروفة حول ماهية السينما. إنه فيلم وثائقي، إنه خيال، إنه بيان. الركاب - ابنة أخ مفعمة بالحيوية، لص، رجل يحتضر يشتري سمكة ذهبية - ليسوا مجرد شخصيات؛ بل هم التناقضات الحية النابضة للمجتمع الإيراني. تاكسي هو التقطير المثالي لـ الفيلم، الشكل، والثقافة، حيث تتصادم جميعها في سرد واحد سلس لا ينكسر. فاز الفيلم بالدب الذهبي في برلين، ولكن الأهم من ذلك، أنه أثبت إمكانية صنع فيلم بموارد معدومة وروح لا متناهية.
الارتباط بكيارستمي
لفهم الحمض النووي لبناهي، يجب أن تعود إلى المصدر. تكشف كتاباته في في زمن كيارستمي: كتابات عن السينما الإيرانية عن مخرج استوعب دروس معلمه في البساطة والغموض، ثم صفّاها عبر واقع أكثر قسوة. حيث وجد كيارستمي الشعرية في الحياة اليومية، وجد بناهي الصراع. ومع ذلك، فإن الخيط المشترك هو نفسه: ثقة عميقة وراسخة في ذكاء المشاهد. إنهم لا يمليون عليك ما تفكر به؛ بل يعرضون لك إطاراً ويتركون لك ملء الباقي. هذه الصرامة الفكرية هي بالتحديد ما يجعل إنتاجات جعفر بناهي السينمائية علامة تجارية مرغوبة في المهرجانات. الموزعون لا يشترون فيلماً فحسب؛ بل يشترون إرثاً من النزاهة الفنية.
مفارقة التحدي التجارية
هنا يصبح الحديث مثيراً للاهتمام لأي شخص له مصلحة في مجال الترفيه. هناك أسطورة راسخة مفادها أن السينما "السياسية" هي سم قاتل لشباك التذاكر. هذه نظرة سطحية. انظر إلى الأرقام. عندما تصدر مجموعة "كريتيريون كوليكشن" صندوقاً لأفلام بناهي، فإنه ينفد بالكامل. عندما يُعرض نسخة مرممة من البالون الأبيض (أول أفلامه عام 1995) في دور السينما الفنية، فإنها تجذب جماهير متعطشة لتجارب ثقافية أصيلة. الضجة الأخيرة حول الأفلام الإيرانية الصغيرة، مثل الفيلم الذي يُناقش حالياً على منصات البث (الذي يصفه بعض النقاد بأنه "مجرد مصادفة" لكنه في الواقع فيلم إثارة محكم قائم على الشخصيات)، تثبت وجود شهية نهمة لقصص خارج نطاق هوليوود الصناعي.
تأمل المشهد الحالي:
- حروب البث الرقمي: منصات مثل MUBI و Criterion Channel مبنية على أفلام مؤلفين مثل بناهي. إنهم بحاجة إلى أرشيفات عميقة تقدم مكانة ثقافية رفيعة.
- جمهور معولم: المشاهدون الأمريكيون ضاقوا ذرعاً بالملكية الفكرية المعاد تدويرها. إنهم يتوقون إلى الواقعية الفنية التي لا تأتي إلا من مخرج يعمل دون شبكة أمان.
- عملة المهرجانات: العرض الأول لفيلم لبناهي في كان أو فينيسيا يضمن عناوين رئيسية. سردية "المخرج الممنوع من العمل"، رغم مأساويتها، هي أداة تسويقية قوية لا يمكن شراؤها بالمال.
الاستثمار الذكي لا يصب في المحتوى المنقى؛ بل في الأصوات الأصيلة. إن الشكل والثقافة المتأصلين في كل إطار من أعمال بناهي - سيارة الأجرة كغرفة اعتراف، المدينة كشخصية - هي أصول تتجاوز الترجمة. إنها تتحدث عن مخاوف عالمية تتعلق بالحرية، والتعبير، والتواصل الإنساني.
بينما نشاهد آخر التقارير من طهران والنضالات المستمرة التي وثقها صحفيون مثل محموديان، نتذكر أن أفلام بناهي هي أكثر من مجرد ترفيه. إنها وثائق تاريخية. وبالنسبة للصناعة، فهي تمثل مصدراً حيوياً غير مستغل بعد لمحتوى متميز. مخرج يُمنع من صناعة الأفلام لعقد من الزمن ومع ذلك ينتج أعمالاً تهز العالم؟ هذا ليس مجرد مخرج. هذه علامة فارقة بحد ذاتها.