بوروندي في قلب العاصفة الدبلوماسية الأفريقية: لماذا يُغيّر رفض ماكي سال قواعد اللعبة؟
في الأروقة السياسية الدولية، بدأ يُسمع في الأيام الأخيرة اسم بوروندي بشكل متزايد. ولا يتعلق الأمر هنا، لا، بـ منتخب بوروندي لكرة القدم، رغم أن الشغف هناك لا يقل حجمًا طبعًا. بل الأمر مختلف وجوهري: إنها الطريقة التي بدأت بها أفريقيا في فرض قواعدها الخاصة. نهاية الأسبوع الماضي، اتضح أن علم بوروندي لم يعد مجرد رمز، بل هو إعلان موقف من دولة مستعدة لإسماع صوتها.
لنعد إلى بداية هذه القصة. لقد أظهر رئيس بوروندي، إيفاريست ندايشيميا، في الأسابيع الماضية أنه لا يخشى محاسبة كبار القوى في المنطقة. وكان السبب المباشر هو محاولة الرئيس السنغالي السابق ماكي سال ادعاء دور معين داخل الاتحاد الأفريقي. في أروقة بوجومبورا، كان يُهمس منذ فترة أنهم ليسوا على استعداد لاستقبال هذه اللعبة التي تعيد إنتاج هياكل السلطة القديمة. اعتقد الكثيرون أن الأمر سيكون مجرد إجراء شكلي، لكن العاصمة كان لها رأي آخر تمامًا.
كانت في الواقع لحظة حاسمة: رفض الاتحاد الأفريقي ترشيح سال بشكل قاطع. وهنا يأتي دور بوروندي في الصورة. فبينما اتخذت بعض الدول المجاورة، مثل رواندا، موقفًا محايدًا أو حتى حذرًا، اختار ندايشيميا خطًا دبلوماسيًا حادًا. يمكنك وصفه، من حيث المصطلحات الدبلوماسية، بأنه يشبه أميرة بوروندي: أنيقة لكن بصلابة من حديد. كانت الرسالة واضحة: أفريقيا هي من تقرر مستقبلها بنفسها، دون تدخل خارجي أو عادات بالية كنا نظن أننا تجاوزناها.
في رأيي، هناك ثلاثة أمور كشفها لنا هذا الحادث:
- وعي جديد بالذات: الدول الصغيرة مثل بوروندي ترفض أن تكون بعد اليوم مجرد بيادق في لعبة جيرانها الأكبر حجمًا. لقد تعلمت من الماضي.
- قوة القواعد: أظهر الاتحاد الأفريقي أن القوانين ليست مجرد حبر على ورق. طلب سال لم يستوفِ الشروط، وتم تطبيق ذلك بكل بساطة.
- إشارة إلى المنطقة: الرد الحاد على موقف رواندا في هذه القضية يُظهر أن التوترات في منطقة البحيرات الكبرى لم تخف بعد. إنها لعبة شطرنج، وكل خطوة فيها مهمة.
من الرائع أن نرى كيف ظهر علم بوروندي فجأة في كل المشاهد الإخبارية. تلك النجوم الثلاثة ترمز إلى الوحدة والعمل والتقدم. وهذه الركائز الثلاث تحديدًا هي التي وُضعت على المحك خلال هذا الصدام الدبلوماسي. لم يدافع رئيس بوروندي عن بلده فحسب، بل دافع عن مبدأ أكبر بكثير. لقد فتح الباب أمام أفريقيا حيث يكون للنظام القانوني الدولي والقانون الداخلي للاتحاد ثقل أكبر من التفضيلات الشخصية أو الصداقات التاريخية.
بالنسبة لنا هنا، في مكان بعيد كالسعودية، قد يبدو هذا وكأنه حدث بعيد عنا. لكن هذه الأحداث بالتحديد هي التي ترسم ملامح استقرار منطقة بأكملها. وبالنسبة للجالية البوروندية هنا، ولكل من يكن للقارة الأفريقية محبة صادقة، هذه لحظة تستحق الفخر بالتوجه الجديد للبلاد. ربما لا يفوز منتخب بوروندي لكرة القدم دائمًا بكأس العالم، لكن على الصعيد الدبلوماسي، حققت البلاد بالفعل انتصارًا مهمًا: انتصار المساواة واحترام القواعد الذاتية.