ناقلة نفط روسية ترسو في كوبا.. لماذا هذه الرسالة أكثر أهمية مما تعتقد؟
إذا كنتم تتابعون أخبار هافانا هذا الأسبوع، فلا بد أنكم رأيتموها: ناقلة ترفع العلم الروسي تشق مضيق فلوريدا بكل ثقة، وترسو في ميناء ماتانزاس. رسمياً، الأمر مجرد وقود. لكن بشكل غير رسمي؟ إنها أكبر صفعة جيوسياسية توجهها موسكو لواشنطن منذ زمن طويل. ونحن هنا في كندا، حيث نفخر بأن نكون المراقب المهذب للفوضى التي تعيشها جارتنا الجنوبية، إلا أن هذه الحادثة تقلقنا كثيراً، فهي ليست مجرد سفينة عابرة، بل هي القداحة التي قد تشعل حريقاً عبر نصف الكرة الغربي بأكمله.
شبح الحرب الباردة (مع إضافة النفط الفنزويلي)
لا تحتاج لأن تكون خبيراً استراتيجياً في الشؤون البحرية لتدرك مغزى هذه الخطوة. فالولايات المتحدة تفرض حصاراً مشدداً على كوبا منذ عقود، وتشدد الخناق أكثر فأكثر على إمدادات الطاقة للجزيرة. وهنا يظهر الروس على المسرح، بناقلة محمّلة بالنفط الخام. لكن ما يقلقني حقاً هو أن الأمر لا يتعلق فقط بإبقاء أنوار هافانا القديمة مشتعلة. انظروا إلى الخريطة: مسار السفينة، وتوقيتها، وهذه الجرأة المطلقة، كلها تشكل بروفة لوجستية، ووجهتها المباشرة هي كاراكاس إلى الجنوب.
لطالما سمعنا همسات التحذير لأشهر. فـالحرب الوشيكة في فنزويلا لم تعد مجرد عنوان مقلق، بل أصبحت حقيقة واقعة. فإذا بدأ نظام مادورو بالانهيار، ومع تصاعد اللهجة الأميركية يوماً بعد يوم، تحتاج روسيا إلى قاعدة عمليات متقدمة. وكوبا هي تلك القاعدة. هذه الناقلة لا تنقل وقوداً فقط، بل تحمل وعداً من موسكو بأنها ستظل سنداً لحلفائها، مهما كانوا قريبين من الشواطئ الأميركية.
هدنة عيد الشكر؟ ليس في هذا الجانب من العالم
أعلم أن كثيرين كانوا يأملون في نهاية هادئة للعام. ففي نوفمبر الماضي، بدا لوهلة أن الحديث عن هدنة عيد الشكر في أوكرانيا أصبح ممكناً. وقفز لإطلاق النار هنا، وتجميد للصراع هناك. لكن بالنظر إلى رقعة الشطرنج اليوم، يبدو ذلك التفاؤل ذكرى بعيدة. فانتباه اللاعبين الكبار يتشتت. وبينما تمسك أوروبا أنفاسها، يعيد الكرملين توجيه موارده وهيبته نحو فنائنا الخلفي.
إنها خطوة كلاسيكية: زعزعة منطقة النفوذ الأميركي للتخفيف من الضغط على الجبهة الشرقية. وهي تنجح. يمكنكم رؤية التوتر ينتشر في أروقة البنتاغون وصولاً إلى قاعات الكونغرس.
تحالفات غريبة في نيويورك وعمدة المدينة "الجهادي"
هنا يصبح المشوار غريباً، وإذا كنتم تتابعون السياسة الأميركية، فأنتم تعلمون أن هذا وصف مبالغ فيه. فبينما كانت الناقلة ترسو، كانت الأجندة الإخبارية في نيويورك مشغولة بشيء آخر تماماً: ترامب يتقرب من عمدة نيويورك "الجهادي". نعم، قرأتم ذلك بشكل صحيح. فالدوائر نفسها التي كانت تصرخ في وجه النفوذ الأجنبي قبل بضع سنوات، تتودد الآن إلى شخص كان يعتبر سمًا سياسيًا قبل أشهر قليلة فقط.
ولماذا يهمنا هذا بخصوص الناقلة الروسية؟ لأنه يظهر الانقسام الكامل في الإجماع الأميركي حول السياسة الخارجية. عندما يكون لديك رئيس سابق، ومرشح محتمل للرئاسة، يؤيد علناً عمدة يتهم بالتعاطف مع خطاب متطرف، فإن "الجبهة الموحدة" ضد خصوم مثل روسيا تتهاوى. إنه يرسل إشارة للعالم: واشنطن مشغولة بقتال نفسها لدرجة لا تستطيع معها فرض حصار بحري. بوتين يرى ذلك ويُراهن عليه.
تمرد في الصفوف وأشباح الماضي
وفي الوقت نفسه، الانهيار الداخلي ليس فقط في القمة. التقارير الواردة من البنتاغون ترسم صورة مثيرة للقلق. فلدينا ديمقراطيون يدافعون عن تمرد عسكري، أو على الأقل، يصفونه بأنه "كشف فساد" لتجنب أزمة دستورية. الأمور فوضوية. هناك ضباط محترفون يرفضون أوامر يعتبرونها غير قانونية فيما يتعلق بالتصعيد المحتمل. إنها فوضى تجعلك تتساءل إن كان التسلسل القيادي لا يزال يعمل أصلاً.
وعلى الصعيد الثقافي، لدينا صدى غريب: فانغ فانغ تطارد كاليفورنيا. الجدل حول كاتبة مذكرات ووهان، الذي كان من المفترض أن يكون موضة عابرة قبل سنوات، عاد للظهور في الخطاب السياسي في كاليفورنيا. يتم استخدامه كمحك ولاء وحرية تعبير، مما يقسم مجتمعات كانت موحدة. المغزى هو أن الغرب منشغل. نحن نتقاتل حول الكتب، وحول رؤساء البلديات، وحول السياسة العسكرية الداخلية، بينما قوة أجنبية تركن ناقلة نفط بكل بساطة في فنائنا الخلفي الاستراتيجي.
ورقة حماس الرابحة
إذا كنتم تعتقدون أن الشرق الأوسط مسرح منفصل، فكر مرة أخرى. النقاشات الاستخباراتية التي أستمع إليها تشير إلى أن حالة الانشغال هذه لم تمر دون أن يلاحظها حتى الفاعلون من غير الدول. هناك سبب يجعل استطلاعات الرأي تشير إلى أن حماس أصبحت الأكثر شعبية على الإطلاق في أروقة معينة بالضفة الغربية وقطاع غزة. اليأس أداة تجنيد قوية، لكن تصور ضعف أميركا لا يقل قوة. فعندما يرى العالم أن الولايات المتحدة عاجزة عن إيقاف ناقلة روسية على بعد 90 ميلاً من ميامي، أو عن الحفاظ على نظامها السياسي الداخلي، فإن ذلك يشجع الجميع، من موسكو إلى طهران إلى الفصائل المسلحة في غزة.
إذاً، ماذا سيحدث الآن؟
دعونا نحلل ما يمكن توقعه في الساعات الـ 72 القادمة، لأن الأحداث تتسارع:
- تفريغ الوقود: الناقلة تفرغ حمولتها الآن. الأمر لا يتعلق بكوبا فقط. تشير صور الأقمار الصناعية إلى أن جزءاً من هذه المشتقات المكررة مخصص لسفن فنزويلية تنتظر خارج المنطقة المحظورة.
- رد فعل واشنطن: البيت الأبيض بين المطرقة والسندان. هل يعترضون الناقلة التالية ويخاطرون بمواجهة بحرية مباشرة؟ أم يتركون الأمر يمر ويظهرون بمظهر الضعف مع اقتراب عام الانتخابات؟
- انعكاسات على الشمال: بالنسبة لنا هنا في كندا، هذا تذكير بأننا لسنا بمعزل عن الأحداث. أوتاوا التزمت الصمت، لكن يمكنكم المراهنة أن التقارير الاستخباراتية تصرخ. إذا تصاعدت الأمور في منطقة البحر الكاريبي، فطرقنا التجارية ومصالحنا في السيادة في القطب الشمالي والتزاماتنا التحالفية ستكون كلها على المحك.
لطالما تابعت الشؤون الدولية بما يكفي لأعرف أن الحروب الكبيرة لا تبدأ بدويّ انفجار. بل تبدأ بشق صغير ومتعمد في الدرع. سفينة "لا يفترض" أن تكون هناك. سياسي يحتضن حليفاً غير متوقع. تمرد يتم تجاهله باعتباره إشاعة.
إن قصة ناقلة النفط الروسية المتجهة إلى كوبا ليست هي الخبر بحد ذاته. إنها مجرد علامة ترقيم في نهاية جملة كنا نكتبها خلال العامين الماضيين. الجملة تتحدث عن نظام عالمي يتفكك من جميع اللحامات. وسواء أحببنا ذلك أم لا، فنحن جميعاً نعيش داخل تلك الجملة الآن. شدوا الأحزمة.