الرئيسية > Politics > مقال

حاروف تحت القصف: قراءة في تداعيات التصعيد على الجنوب اللبناني

Politics ✍️ عمر الصقر 🕒 2026-03-04 06:16 🔥 المشاهدات: 2

لم تكن ليلة الثالث من مارس/آذار عادية في بلدة حاروف الجنوبية. فبينما كان الرئيس اللبناني على الهاتف مع نظيره العراقي يبحثان تطورات المنطقة، كانت صفارات الإنذار تمزق صمت الليل في قرى حدودية عدة. استهدفت غارات إسرائيلية عنيفة عدداً من البلدات، وكان لحاروف نصيب من النار. المشهد بات مألوفاً، لكن كل مرة تترك جرحاً أعمق.

الرئيس اللبناني خلال اتصاله بنظيره العراقي

شارع حاروف: شريان الحياة تحت الركام

الشارع الرئيسي في حاروف، الذي يربط البلدة بجوارها، تحول إلى مشهد مألوف في زمن الحرب: ركام متناثر، واجهات محلات تحطمت، وسيارات إسعاف تسابق الزمن. لم يكن القصف عشوائياً، بل طال نقاطاً حساسة، مما يعيد طرح السؤال: ما أهمية هذا الشارع بالذات؟ لقربه من خطوط التماس، أو لوجوده على طرق إمداد معروفة للطرف الآخر؟ الواقع أن شارع حاروف ليس مجرد طريق، بل هو شريان اقتصادي واجتماعي لأهالي المنطقة، واستهدافه يعني شل الحركة اليومية ودفع نحو نزوح جماعي. أنا متأكد أن من خطط لهذه الغارات يعرف تماماً أن ضرب هذا الشارع يعني ضرب حياة الناس اليومية.

مركز الإمداد للتربية المختصة: عندما تستهدف الحرب المستقبل

في الطرف الغربي من البلدة، يقع مركز الإمداد للتربية المختصة، الذي كان يؤوي عشرات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. مع توالي الغارات، اضطر المركز إلى إخلاء بعض أجنحته. هذه المؤسسة التي تمثل بارقة أمل لأهالي المنطقة، باتت اليوم مهددة بخسارة ما بنته خلال سنوات. ليس فقط بسبب القصف المباشر، بل بسبب تداعيات النزوح والذعر. أطفال كانوا يتلقون دعماً نفسياً وتعليمياً، وجدوا أنفسهم فجأة في ملاجئ مؤقتة، مما يضاعف معاناتهم. أعتقد أن استهداف مثل هذه المرافق يظهر وحشية هذه الحرب التي لا تستثني أحداً.

ماذا يعني التصعيد لرجال الأعمال في الخليج؟

قد يبدو الحديث عن المال والأعمال في خضم القصف صادماً، لكن الواقع أن استقرار الجنوب اللبناني مرتبط مباشرة بفرص الاستثمار في المنطقة. السعودية، التي طالما دعمت لبنان، تراقب المشهد عن كثب. أي تصعيد يعيد رسم خريطة المخاطر، ويؤجل خطط إعادة الإعمار، ويضع الشركات الخليجية أمام خيارات صعبة: الانتظار أو الانسحاب. لكن في المقابل، تبرز فرص جديدة في قطاعات معينة يمكن للمستثمر الذكي التقاطها. على المستثمر السعودي أن يدرك أن الحرب وإن كانت مدمرة، إلا أنها تخلق احتياجات جديدة وفراغاً يمكن ملؤه:

  • إعادة الإعمار: شركات المقاولات الخليجية قد تجد سوقاً واعدة بعد وقف النار، خاصة في البنية التحتية المدمرة مثل شارع حاروف والمرافق العامة. هذا المجال سيشهد طفرة كبيرة بمجرد توقف القصف.
  • القطاع الصحي: مع تدمير مرافق صحية وتأثر مركز الإمداد للتربية المختصة، تبرز الحاجة لاستثمارات في الرعاية المتخصصة وإعادة تأهيل هذه المؤسسات. هناك طلب كبير على خدمات إعادة التأهيل والدعم النفسي.
  • الطاقة: عدم الاستقرار يزيد الطلب على حلول الطاقة البديلة (مثل المولدات الشمسية) في المناطق المتضررة التي تعاني من انقطاع الكهرباء جراء القصف. شركات الطاقة السعودية لديها فرصة ذهبية لدخول السوق.
  • الأمن الغذائي: تدمير الأراضي الزراعية والمخازن يخلق فرصاً لشركات الغذاء الخليجية لسد الفجوة. الاستثمار في سلاسل التبريد والتخزين سيكون مربحاً للغاية.

المستثمر الذكي هو من يقرأ الخريطة الجيوسياسية كما يقرأ جداول الأرباح. حاروف اليوم قد تكون مجرد بقعة على الخريطة، لكنها غداً مؤشر على اتجاه الريح في الجنوب اللبناني بأكمله. من يضع عينه على مرحلة ما بعد النار، سيجد فرصاً لا تتوفر في أوقات الهدوء. أنا راهن على أن شركات سعودية كبرى تدرس بالفعل خياراتها في المنطقة، لكنها تنتظر اللحظة المناسبة.

لماذا علينا الانتباه لما يحدث في حاروف؟

لأن حاروف ليست مجرد بلدة. هي جزء من معادلة الردع، وهي اختبار لصبر المدنيين، وهي عنوان للصراع الممتد. الاتصال الهاتفي بين الرئيسين اللبناني والعراقي يؤكد أن ما يجري في الجنوب ليس شأناً محلياً، بل هو جزء من حركة دبلوماسية إقليمية تبحث عن مخرج. وطالما استمرت الغارات، سيبقى شارع حاروف، ومركز الإمداد، وكل زاوية في هذه الأرض، على قائمة انتظار لحل شامل. بالنسبة للسعودي العادي، المشهد في حاروف هو إنذار بأن المنطقة لا تزال على صفيح ساخن، وأن أي هدوء لا يعني نهاية اللعبة، بل قد يكون مقدمة لجولات جديدة. هذا ما أراه من موقعي كمتابع للشأن اللبناني منذ عقود.