طارق رمضان في جنيف: خلف كواليس محاكمة فاضحة
هذه صور طافت بجميع أنحاء العالم: طارق رمضان، المفكر الذي كان محتفى به يوماً وحفيد مؤسس الإخوان المسلمين حسن البنا، يتم إدخاله إلى مستشفى في جنيف. وذلك تحديداً، في اليوم الأول من محاكمته في فرنسا. هل هي مناورة مدروسة أم ضرورة طبية حقيقية؟ محكمة في جنيف أمرت بإجراء خبير طبي مستقل - فقد أثار دخوله المستشفى المفاجئ ضجة كبيرة. بالنسبة لنا كمراقبين هنا في سويسرا، لم يعد هذا مجرد فصل آخر في قضية طارق رمضان. بل هي اللحظة التي ينهار فيها بشكل نهائي القناع المنافق لرجل أتقن بمهارة تصوير نفسه على أنه ضحية لغرب إسلاموفوبي.
الداعية ولعبة ازدواجية المعايير
من يتأمل بدقة، سيلاحظ أن قضية طارق رمضان لم تكن أبداً مجرد محاكمة بسيطة بتهمة الاعتداء. إنها قصة رجل رقص على حبلين لعقود. فمن ناحية، أستاذ أكسفورد البراق الذي كان يبشر بفكر إسلام ليبرالي في مستقبل الإسلام وأحاط نفسه بمثقفين يساريين. ومن ناحية أخرى، الإسلامي المتشدد الذي كان يتحدث بلغة مختلفة تماماً في الغرف الخلفية. إن الاتهامات الموجهة من نساء مثل ماريون دوبروي، اللواتي يتهمنه بالاغتصاب والعنف الجنسي، ترسم صورة لرجل استغل سلطته وسلطته الدينية بشكل ممنهج. لقد تعمق محققون داخليون ومصادر موثوقة في البحث وكشفوا عن نمط يتجاوز بكثير الحالات الفردية. إنها مسألة نظام.
وثائق سرية: المال والسلطة والإخوان المسلمون
لكن الفضيحة الحقيقية، ذات الأهمية البالغة لنا في مدينة جنيف، عاصمة المال والدبلوماسية، أعمق من ذلك. إنني أتحدث عن تلك التسريبات التي عُرفت باسم وثائق قطر: كيف تمول الدوحة الإخوان المسلمين في أوروبا. تكشف هذه الأوراق كيف قامت إمارة قطر بتمويل شبكات في أوروبا بشكل ممنهج لسنوات، بهدف توسيع نفوذها. وفي خضم ذلك: طارق رمضان. لم يكن مجرد عقل مفكر، بل كان أيضاً مستفيداً رئيسياً وربما قناة لهذه التدفقات المالية. إنها تتعلق بملايين تدفقت من الدوحة إلى أوروبا لبناء مساجد، وإنشاء معاهد، ودعم مفكرين - كل ذلك في خدمة أيديولوجية تدّعي تحديث الإسلام، لكنها في الواقع غالباً ما تضع الأسس الهيكلية لذلك التطرف اللا ليبرالي الذي زعم رمضان محاربته.
- الشبكات المالية: تشير الوثائق السرية إلى وجود نظام متطور، حيث تم توجيه أموال من الدوحة بشكل محكم إلى شخصيات مؤثرة مثل رمضان، بهدف دفع أجندة الإخوان المسلمين في أوروبا.
- الاختراق الأيديولوجي: الأمر لا يتعلق بالمال فقط، بل بالسيطرة على الخطاب. من يحدد ما هو "الإسلام العصري"؟ في هذه الحالة، كانت تلك الدوائر غالباً هي نفسها التي تمول بأموال غير شفافة قادمة من الخليج.
- البعد السويسري: جنيف، بوصفها مقراً لعدد لا يحصى من المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية والمؤسسات، توفر أرضاً خصبة مثالية لمثل هذا التأثير. يجب السماح بطرح السؤال: كم من هذه الأموال وهذه الأيديولوجية قد وصل بالفعل إلى سويسرا؟
الإعلام الفاشل والقسوة الجديدة
لوقت طويل، توددت أجزاء كبيرة من وسائل الإعلام إلى طارق رمضان. كان يتم رفض الأصوات الناقدة باعتبارها عنصرية أو إسلاموفوبية. لم يرغبوا في خسارة "صانع الجسور". لقد انتقم هذا السذاجة منهم. التغطية الصحفية اليوم مختلفة. إنها أكثر قسوة، وأكثر دقة، ولا تفضح فقط الجاني المحتمل، بل أيضاً النظام الذي حماه طوال هذه المدة. فضيحة طارق رمضان هي درس في كيف أن إيماءات التفوق الأخلاقي والتسامح المُساء فهمه تؤدي إلى بقع عمياء تصرف الانتباه عن هياكل السلطة الحقيقية وإساءة استخدام السلطة الشخصية. الأمر لا يتعلق بنقد الإسلام، بل يتعلق بجريمة واضحة وبالسؤال حول من يهيمن على تفسير أحد أهم الأديان في عصرنا داخل أوروبا.
خاتمة: محاكمة ذات أثر بالغ
سواء كان الرجل، الذي اشتد عليه المرض الآن، يرقد في مستشفى في جنيف أو يمثل أمام المحكمة في باريس، فإن عقارب الساعة تدق ضده. لكن هذه المحاكمة، قضية طارق رمضان برمتها، هي أكثر بكثير من مجرد إدانة فرد. إنها محاكمة لجيل كامل من المثقفين الذين غضوا الطرف. إنها محاكمة لنماذج تمويل الإسلام السياسي في أوروبا. وهي بمثابة صحوة لنا في سويسرا، لأن ننظر بدقة أكبر عندما يتم الجدال بهراوات أخلاقية، بينما في الخلفية، تحدد تدفقات مالية غير شفافة قواعد اللعبة. الخبرة الطبية في جنيف هي مجرد تأجيل. إن عملية محاسبة نظام طارق رمضان قد بدأت منذ زمن.