وفاة كارلوس ويستندورب، الدبلوماسي الذي صاغ تاريخ إسبانيا وأحضر السلام إلى البلقان
استفاقت مدريد اليوم على خبر يطوي صفحة من صفحات الدبلوماسية الإسبانية. فقد رحل كارلوس ويستندورب إي كابيثا، الرجل الذي حمل اسم إسبانيا إلى أكثر بقاع العالم اضطرابًا، عن عمر يناهز 89 عامًا. لم يكن رجل سياسة بالمعنى التقليدي، ذلك الذي يبحث عن العناوين العريضة. بل كان موظفًا عامًا من الطراز القديم، سفيرًا أصيلاً أدرك أن أفضل سياسة خارجية تُصنع بالصبر درعًا والكلمة سيفًا.
الحديث عن كارلوس ويستندورب هو حديث عن المرحلة الانتقالية بامتياز، ولكن أيضًا عن تلك الفترة التي توقفت فيها إسبانيا عن الانشغال بشؤونها الداخلية لتنافس في دوري كبار اللعبة الجيوسياسية. وإذا كان هناك اسم يتردد بقوة في أروقة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والوزارات الأوروبية، فهو اسمه. ربما يرتبط اسمه في أذهان العديد من الإسبان بمرحلة توليه وزارة الخارجية في عهد فيليبي غونزاليس. لكن بالنسبة لمن تابعوا مسيرته الدولية عن كثب، كان ويستندورب أكثر من ذلك بكثير: كان "مهندس السلام" في البلقان، الرجل الذي يُستدعى عندما تكون الحرب في أوجها ولا أحد يعرف كيف يوقفها.
باسكي من سلالة دبلوماسية عريقة
وُلِد في مدريد لكنه ينتمي بجذوره العميقة إلى بلباو، وكان كارلوس ويستندورب من أولئك الموظفين الذين جعلوا من السلك الدبلوماسي أسلوب حياة. كان التحاقه بوزارة الخارجية عام 1966 إيذانًا ببدء مسيرة خدمة تبدو اليوم شبه مستحيلة المنال. مر بمناصب رئيسية في باريس، وفي التمثيل الإسباني لدى الأمم المتحدة، ثم في بون، حيث شكّل العلاقات مع ألمانيا التي كانت تعيش مرحلة إعادة التوحيد. لكن امتحانه الحقيقي، اللحظة التي سجلته في سجلات التاريخ، جاءت عندما كان العالم يشتعل.
- الممثل السامي في البوسنة (1997-1999): خلف السويدي كارل بيلدت في مهمة مستحيلة: فرض تنفيذ اتفاقيات دايتون. فبينما كانت القوى الكبرى تتفاوض، كان ويستندورب يتخذ القرارات. من فرض الرموز الوطنية إلى إعادة هيكلة الاقتصاد المحلي، حالت يداه الحازمتان دون انزلاق البلاد الهشة من جديد في جحيم الصراع العرقي.
- وزير الخارجية (1995-1996): قبل فترة وجوده في البلقان مباشرة، تولى الحقيبة الوزارية في لحظة حرجة. هو من أدار ملف انضمام إسبانيا إلى الهيكل العسكري لحلف الناتو، وهي خطوة رئيسية حددت سياسة الدفاع للعقود التالية.
- سفيرًا في روسيا (2004-2007): خلال الولاية الأولى لفلاديمير بوتين، مثل المصالح الإسبانية في موسكو، مظهرًا تنوعًا في المهارات لا يستطيع ادعاءه سوى قلة من الدبلوماسيين.
إرث الصبر الاستراتيجي
ما كان يميز كارلوس ويستندورب إي كابيثا لم يكن فقط سيرته الذاتية المذهلة، بل طريقته في فهم المهنة. في عصر يهيمن عليه الفورية والضجيج السياسي، كان يتحرك في فضاء الصمت. تروي حكايات الذين عملوا معه في سراييفو أنه كان يقضي ساعات في اجتماعات مع قادة محليين يتبادلون الإهانات دون توقف، منتظرًا اللحظة المناسبة لطرح اقتراحه. لم يكن صقرًا، لكنه لم يكن حمامة أيضًا. كان استراتيجيًا. كان يعلم أن مصداقية الوسيط تُبنى بأجزاء من الثانية، وأنه ما إن تفقدها حتى لا تعود.
في عالم الدبلوماسية، يتذكرون اليوم هذا الجانب منه واصفين إياه بـ"السياسي الصبور والشخصية المحورية في الحوار الدبلوماسي". فهذا الصبر لم يكن سلبية، بل كان حسابات دقيقة. بينما كان آخرون يطالبون بتدخلات عسكرية واسعة النطاق، راهن ويستندورب على ضبط التفاصيل. هو الذي صمم، من مكتبه في بروكسل أولاً ثم من سراييفو لاحقًا، الهيكل المؤسسي الذي يسمح اليوم، بكل عيوبه، بوجود البوسنة والهرسك كدولة.
إسبانيا التي عرفت كيف تكون في المستوى المطلوب
كما أبرزت السجلات التاريخية، مثل كارلوس ويستندورب تلك اللحظة التي تحولت فيها إسبانيا الديمقراطية من مستقبل للقرارات الدولية إلى فاعل مؤثر. وفاته تترك في نفوسنا شعورًا بأننا فقدنا جيلاً كان يفهم الخدمة العامة كالتزام طويل الأمد، وليس كمقدمة لمنصب انتخابي. في عالم يقاس فيه الوزراء بعدد الإعجابات، كان ويستندورب يُقاس بالنتائج على أرض الواقع. وفي هذا الميدان، كان دائمًا من أولئك الذين يصنعون الفارق.
نعزي أنفسنا في رحيل رجل عرف كيف يكون حيث يجب أن تكون إسبانيا. إرثه مسطور ليس فقط في كتب التاريخ، بل في السلام الذي يعيشه اليوم ملايين البشر في البلقان. هذا هو أفضل نصب تذكاري له.