ليتوانيا في عين العاصفة: لماذا تعيد حادثة تحطّم مسيّرة في كاوناس إشعال التوتر داخل الاتحاد الأوروبي؟
هناك أماكن في أوروبا، بحكم موقعها، ظلت دائماً مقياساً لاستقرار القارة. ليتوانيا واحدة منها. إذا كنت تتابع الأخبار هذه الأيام، فأنت تعلم أن حادثة تبدو للوهلة الأولى محدودة أعادت هذا البلد البلطيقي إلى دائرة الضوء. مسيّرة تحطمت في ضواحي كاوناس، ثاني أكبر المدن الليتوانية، ورغم أن البعض حاول في البداية التقليل من شأنها، إلا أن تصريحات كبار المسؤولين أشعلت كل أجهزة الإنذار. إنها ليست حادثة معزولة، بل الحلقة الأخيرة في لغز جيوسياسي يعاد تشكيله بسرعة.
صدى الحرب: لماذا تختلف هذه المسيّرة عن غيرها؟
ما يلفت انتباهي في هذا الحدث ليس سقوط الطائرة المسيّرة بحد ذاته، بل ردة الفعل الفورية. بحسب مصادر مقربة من الحكومة الليتوانية، فإن مصدر المسيّرة كان قادماً من الشرق، وقد أوضحت دول البلطيق أن مثل هذه الحوادث، إلى جانب حوادث مماثلة سُجلت في المنطقة، هي نتيجة مباشرة للعدوان الروسي. إنه الواقع الجديد الذي جلبه لنا هذا الصراع. عندما أتحدث مع زملاء لي في المنطقة، يقولون لي إن المشاعر في شوارع فيلنيوس ليست ذعراً، بل هدوء حذر. إنهم يدركون أنهم في الخط الأمامي، وأن كل جسم غير معروف يعبر مجالهم الجوي يُحلل الآن بعدسة تختلف تماماً عما كانت عليه قبل ثلاث سنوات.
بعيداً عن الجيوسياسية: كيف يؤثر هذا على الحياة اليومية في ليتوانيا؟
بالنسبة لمن لا يعرف هذا البلد، قد يعتقد أن هذا الأمر يخص المكاتب الرسمية فقط. لكن الحقيقة بعيدة كل البعد عن ذلك. الأسبوع الماضي، وبينما كانت معلومات الحادثة تُعالج، سجلت سوق العمل في ليتوانيا زيادة طفيفة لكنها ملحوظة في الاستفسارات حول الوظائف المتعلقة بالدفاع المدني والأمن السيبراني. وهذا ليس من قبيل المصادفة. المجتمع الليتواني يتمتع بمرونة وواقعية لا تصدق. ففي الأحاديث في المقاهي، لم يعد الحديث فقط عن آخر مباراة لمنتخب ليتوانيا لكرة القدم (الذي ما زال، بالمناسبة، يبحث عن تلك الشرارة التي تعيده إلى المنافسات الكبرى)، بل أيضاً عن دورات الإسعافات الأولية وكيفية تجهيز حقيبة الطوارئ.
- مرونة المواطنين: استوعب السكان أن الأمن لم يعد أمراً يمكن اعتباره مسلّماً به. المناقشات في المراكز المجتمعية حول كيفية التصرف في حال انقطاع التيار الكهربائي أصبحت أكثر شيوعاً.
- التأثير على الاقتصاد المحلي: دفع عدم اليقين العديد من الشركات، خاصة في قطاع التكنولوجيا، إلى تقدير الاستقرار بشكل أكبر. العروض في سوق العمل تتكيف مع ذلك، باحثة عن كفاءات تقدم الأمن التشغيلي.
- رمز يوحد الجميع: في مثل هذه الأوقات، لا مفر من رؤية علم ليتوانيا (ذلك الشعار ثلاثي الألوان الأصفر والأخضر والأحمر) يظهر بكثرة على الشرفات. إنه ليس عملاً تحدّياً عدائياً، بل لفتة وحدوية. إنها طريقتهم ليقولوا: "نحن هنا، وهذا ما ندافع عنه".
النبأ الإعلامي: TV3 والنظرة القادمة من الجنوب
بالنسبة لنا هنا في إسبانيا، فإن فهم ما يحدث على الجانب الشرقي من أوروبا أمر حيوي. برامج التحليل على قنوات مثل TV3 خصصت مساحات واسعة لتفكيك هذا الحادث، وربط الخيوط بين ما يجري في كاوناس والآثار المترتبة على أمن الطاقة والعسكري للاتحاد الأوروبي. إنها ليست مشكلة "تخصهم"، بل هي مشكلة أوروبية. وليتوانيا، بذلك المزيج من الهدوء الاسكندنافي والعزيمة البلطيقية، تعطي درساً في كيفية التعامل مع هذا الواقع الجديد. لا مبالغة، ولكن أيضاً لا تنازلات. تعزيز الحدود، والاستثمار في الدفاع، والحفاظ على استمرارية الحياة اليومية، لأن هذا في النهاية هو أفضل أشكال الصمود.
سنبقى متابعين للتحركات القادمة. لكن حتى الآن، ما أصبح واضحاً هو أن ليتوانيا انتقلت من كونها وجهة غريبة لعشاق السياحة في العصور الوسطى في بلدتها القديمة، إلى أن أصبحت ركيزة أساسية يُكتب فيها مستقبل الأمن الأوروبي. ومن هنا، سنواصل تركيز أنظارنا على هذه الزاوية من البلطيق، حيث التاريخ، مرة أخرى، يصنع حاضره.