وفاة أومبرتو بوسي: تأبين "السناتور" والبنطال الذي صنع التاريخ
في 19 مارس 2026، توفي أومبرتو بوسي، الأب المؤسس لرابطة الشمال، في مستشفى بمدينة فاريزي. برحيله، تفقد إيطاليا واحدة من أكثر شخصياتها السياسية تأثيراً وإثارة للجدل. "السناتور"، كما كان يلقبه أتباعه بمحبة، كان أكثر من مجرد سياسي؛ لقد كان مؤسسة بحد ذاتها، وظاهرة فريدة، وجزءاً من تاريخ العصر الحديث.
حياة من أجل الشمال... وطبق من الكاسويلا
لم ينطلق مهد رابطة الشمال من قصر روماني فخم، بل من حانة بسيطة في بلدة لنيانو. كانت ليلة قارسة البرودة حين جلس أومبرتو بوسي مع بعض رفاقه المخلصين أمام طبق يلفحه البخار من الكاسويلا، ذلك اليخنة الشتوية الدسمة من المطبخ الميلاني. جول، صاحبة الحانة، لم تقدم الفاصوليا ولحم الخنزير فحسب، بل أصبحت عن غير قصد شاهداً على لحظة ميلاد سياسي. بوسي، الذي كان آنذاك يمتلك شعراً كثيفاً مموجاً ويرتدي بنطالاً واسعاً جداً من مقاس أومبرتو بوسي، كاد ينزلق من خصره، كان يرسم على منديل ورقي فكرة إقليم بادانيا المستقل. لم يهتم قط بملبسه، فالمضمون وحده كان يهمه. لكن مثل هذه الصور هي التي تعلق في الأذهان: كيف كان يجلس هناك، ببنطاله الذي كان يكبره بمقاسات، ليضع حجر الأساس لحركة لا تزال تقسم إيطاليا حتى اليوم.
من الصعود إلى الرحيل الصامت
أجاد بوسي بمهارة لا مثيل لها تحويل إحباط سكان الشمال الأثرياء إلى رأسمال سياسي. كانت خطاباته جريئة ومباشرة، تضرب في صميم مشاعر سكان لومبارديا وبيدمونت. في تورينو وفي عموم بيدمونت، حيث ترسخت جذور رابطة الشمال عميقاً، يحدهم الحزن الآن على رحيل "أومبرتو". لكن في السنوات الأخيرة، خيم الصمت على حياته، وتزايدت متاعبه الصحية. قبل أيام قليلة، يوم الأربعاء، نُقل إلى المستشفى وهو يعاني من آلام متفرقة، بدون صفارات إنذار، وبشكل شبه عابر، كما يروي الجيران. ثم الانهيار المفاجئ. نهاية هادئة لرجل كان يوماً ما قد اجتاح الساحة السياسية بعاصفة من الحضور.
ماذا تبقى من "السناتور"؟
حصيلته السياسية مثيرة للجدل. فالبعض يعتبره منقذ الشمال، والبعض الآخر يراه شعبوياً خطيراً. لكن ما لا يقبل الجدل هو حسه المرهف بمخاوف وآمال الناس البسطاء. لقد وضع على طاولة النقاش قضايا كان الآخرون يتجاهلونها. إليكم ثلاثة أمثلة مما مثّل أومبرتو بوسي:
- الفيدرالية: طالب بمزيد من الحكم الذاتي والعدالة الضريبية للمناطق ذات الاقتصاد القوي.
- معاداة المركزية: كان نضاله ضد "روما الناهبة" هو قضية حياته.
- الثقافة المحلية: حافظ على اللهجات والعادات التي كانت مهددة بالاندثار في ظل ثقافة موحدة.
سواء كنت تحبه أو تكرهه، لا يمكن إنكار أن أومبرتو بوسي ترك بصمته على إيطاليا. ربما لن يتذكره الناس فقط بشعاراته السياسية، بل أيضاً كالرجل الذي جلس أمام طبق كاسويلا في لنيانو ببنطال فضفاض جداً، وصنع التاريخ. أفكاره لا يزال يحملها الكثيرون حتى اليوم، وفي كل منهم جزء من "السناتور".