يانغ مينغ: أكثر من مجرد جبل – رحلة في عوالمه المتعددة في تايوان بين الشحن والجامعة والفلسفة
في ربيع تايبيه، لا شيء ينافس الاحتفال بموسم أزهار جبل يانغ مينغ. في أيام الأسبوع وعطلات نهاية الأسبوع على حد سواء، ترى العائلات والأزواج وهم يصعدون طريق يانغ دي السريع، قاصدين منظراً واحداً: أزهار الكرز والرودودندرون التي تغطي سفوح الجبال. لكن بالنسبة لنا، نحن الذين قضينا عقوداً في تايبيه، فإن كلمتي "يانغ مينغ" تحملان معانٍ تتجاوز بكثير مجرد جبل.
عند ذكر "يانغ مينغ"، أول ما يتبادر إلى الذهن غالباً هو تلك الحاويات العملاقة التي تحمل اسم الشركة ذاته. نعم، إنها شركة يانغ مينغ للشحن. في طفولتي، كنا نرى سفنها راسية في ميناء كيلونغ، وكانت تلك أيام الطفرة الاقتصادية لتايوان، حيث كان العمل في البحر يعتبر طريقاً واعداً. ورغم تقلبات صناعة الشحن، تبقى يانغ مينغ شركة شحن عالمية المستوى، تجوب أساطيلها موانئ العالم، وهي بحد ذاتها "فخر تايواني" بصيغة أخرى.
وإذا ما صعدت إلى الجبل، ستجد على منحدراته واحدة من أرقى المؤسسات الأكاديمية: جامعة يانغ مينغ تشياو تونغ الوطنية. في السنوات الأخيرة، ومع موجة اندماج الجامعات، اتحدت جامعة يانغ مينغ مع جامعة تشياو تونغ لتشكلا هذه الجامعة. الأجيال الأكبر سناً قد لا تزال تسميها "كلية يانغ مينغ الطبية"، نظراً للسمعة المرموقة لكليات الطب وعلوم الحياة فيها. كلما مررت بجانب الحرم الجامعي ورأيت الطلاب يرتدون المعاطف البيضاء وهم يسرعون في خطاهم، أشعر أن هذا الجبل لا يكتفي بمناظره الخلابة، بل يعبق أيضاً بروح المعرفة.
ولا يمكن الحديث عن "يانغ مينغ" دون ذكر الفيلسوف الذي شكل تأثيراً عميقاً في الثقافة الشرقية، وانغ يانغ مينغ. على الرغم من كونه من عهد أسرة مينغ، إلا أن فلسفته "القائلية" (مدرسة العقل) لا تزال متبعة في الأوساط الفكرية التايوانية. مقولته الشهيرة "وحدة المعرفة والفعل" هي شعار يعتمده العديد من رجال الأعمال. والمثير للاهتمام أن تسمية جبل يانغ مينغ، وشركة يانغ مينغ للشحن، وحتى الجامعة، جميعها مرتبطة به بشكل أو بآخر. فجبل يانغ مينغ كان يُعرف سابقاً باسم "جبل العشب"، وقد غيّره الرئيس الراحل شيانغ كاي شيك إلى "يانغ مينغ" تقديراً منه للفيلسوف وانغ يانغ مينغ. بهذا المعنى، نجد أن اسماً واحداً، "يانغ مينغ"، يخترق حياتنا وثقافتنا وفكرنا.
إذا كنت تخطط لزيارة جبل يانغ مينغ قريباً، فإليك بعض الأماكن المفضلة لدى السكان المحليين:
- لنغ شوي كنغ (Lenghuikeng): لا تكتف بزيارة تشينغ تيان قانغ. البركة البيئية في لنغ شوي كنغ مع انعكاساتها وأعشاب الزينة الخلفية، تمنحك صوراً تذكارية وكأنها بطاقات بريدية.
- تشو زي هو (Zhuzihu): بصرف النظر عن موسم زنابق الكالا، فإن زيارة تشو زي هو في الأيام العادية تكون أكثر هدوءاً. ابحث عن أحد مطاعم الدجاج المحلية لتتناول الخضروات البرية مع شوربة البطاطا الحلوة، فهذه هي طريقة الخبراء الحقيقيين.
- شياو يو كنغ (Xiaoyoukeng): قف بجانب فتحات البخار لتشعر بحرارة الأرض المتصاعدة، وهذا ما يمكن تسميته حقاً "بالتواصل مع روح الأرض".
بزيارة واحدة إلى جبل يانغ مينغ، ستكتشف أن حديقة يانغ مينغ شان الوطنية ليست مجرد حديقة خلفية لمدينة تايبيه، بل هي بمثابة متحف حي. من التضاريس البركانية التي نشأت من قاع البحر، إلى مناجم الكبريت التي تعود للعهد الياباني، وصولاً إلى المدينة الجامعية ومركز الأبحاث العلمية اليوم، كل هذه القصص المتطبقة محفورة في تضاريس الجبل. وفي الأسفل، بميناء كيلونغ، لا تزال سفن شحن يانغ مينغ تعمل بجد، محملة وتفرغ البضائع، لتنقل المنتجات التايوانية إلى مختلف أنحاء العالم.
"يانغ مينغ"… هذان الحرفان في تايوان تجاوزا كونهما مجرد اسم شخص أو مكان. إنهما يمثلان تراثاً ثقافياً، ورمزاً لقطاع اقتصادي، وأسلوب حياة. سواء أكنت تصعد الجبل للاستمتاع بالأزهار، أو تتعمق في دراسة العلوم، أو تتابع حركة الشحن العالمية، ستجد أن "يانغ مينغ" موجود في كل مكان.