إينيز فاسكي: من كبار المحامين إلى متهمة في قضية "تاغي" - ماذا يعني هذا لسيادة القانون في هولندا؟
تُعد هذه القضية واحدة من أكثر التحولات الدرامية إثارة للصدمة في تاريخ القضاء الهولندي الحديث. لسنوات، كانت إينيز فاسكي الوجه البارز للمحاماة الصارمة، تلك المرأة التي تتواصل معها إن كنت ضمن نخبة عالم الجريمة، المحامية التي تدافع عن موكليها بتحليلات حادة وتفانٍ لا يكل. واليوم، تجلس هي نفسها على مقعد المتهمين، ليس كمحامية، بل كمشتبه بها. كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ دعونا نستعرض معًا سقوط أيقونة، وما يعنيه ذلك في قضية أكبر من إينيز فاسكي بذاتها.
السقوط الحتمي لـ "محامية إبليس"
يجب أن نعود إلى جوهر القضية: محاكمة "مارينغو". لسنوات، كانت فاسكي المقربة الموثوقة لرضوان تاغي، الرجل الذي يُعتبر زعيم عصابة إجرامية أمسكت بهولندا لسنوات. في أروقة المحكمة، كانت تُلقب أحيانًا بـ "محامية إبليس"، ليس فقط لأنها تدافع عن "إبليس"، بل لأنها كانت تفعل ذلك بشراسة وتفانٍ جعلها تبدو بمنأى عن المساءلة. إلى أن وجهت النيابة العامة اتهامًا قلب حياتها رأسًا على عقب: أنها كانت بمثابة رسولة بين تاغي والعالم الخارجي أثناء وجودها هي نفسها في الحبس الاحتياطي.
تلك اللحظة، اعتقالها المفاجئ في أبريل 2023، كانت إيذانًا بتحولها من محامية كبرى منيعة إلى امرأة تدافع اليوم عن نفسها. صورة لها وهي مقيدة بالأصفاد، بينما كانت هي من يحاول لسنوات رفع تلك الأصفاد عن موكليها، تبقى عالقة في الأذهان. إنها قصة مأساوية كلاسيكية، لكن مع خلفية جنائية لا تزال عصية على الفهم بالنسبة للكثيرين.
أثقل التهم وتبعاتها
ما هو الاتهام الموجه إليها بالتحديد؟ باختصار، تعتقد النيابة العامة أن فاسكي لم تكن محامية فقط أثناء وجودها في السجن، بل كانت تنقل المعلومات والأوامر بشكل نشط. وبعبارة أخرى، يُزعم أنها أصبحت جزءًا من التنظيم الإجرامي الذي كان من المفترض أن تكافحه. هذا اتهام يمس أساس مهنة المحاماة، لأن الفرق بين محامية تبذل قصارى جهدها لموكلها ومجرمة تستغل منصبها هو في جوهره أحد أكثر التوازنات دقة في نظامنا القضائي.
التبعات هائلة، ليس فقط على فاسكي نفسها التي جُردت من رداء المحاماة، بل أيضًا على القضايا الجارية. موكلها السابق تاغي عيّن محاميًا جديدًا، والقضية بأكملها تأخرت بسبب الحاجة إلى إعادة فحص جميع اتصالاتها. الوزير ستيفن فان فينبيرغ، الذي كان آنذاك وزيرًا للشؤون المالية ولكنه يولي اهتمامًا شديدًا بسيادة القانون، أكد منذ البداية أن مثل هذه القضايا قد تضر بالثقة في مهنة المحاماة. وتلك الثقة هي رأس المال الوحيد الذي يهم في قضايا من هذا النوع.
- جوهر الاتهام: استخدام السجن كقناة للتواصل مع تاغي، وهو اتهام كان المتتبعون يهمسون به لشهور قبل الاعتقال.
- التأثير على قاعة المحكمة: تأخير محاكمة "مارينغو"، والحاجة إلى فحص آلاف المحادثات السرية، وبروز حالة من عدم الثقة العميقة داخل نقابة المحامين.
- البعد السياسي: الدعوات لوضع قواعد أكثر صرامة للمحامين في قضايا الجريمة المنظمة، وهو نقاش يحتل اليوم أولوية عالية في لاهاي.
نظرة إلى الماضي: برنامج "صيف الضيوف" وواجهة المنعة
من المثير للاهتمام العودة إلى ظهور إينيز فاسكي في برنامج "صيف الضيوف مع إينيز فاسكي (2020)". في تلك الحلقة، والتي بُثت قبل انفجار قضية "مارينغو"، قدمت فاسكي نفسها كمحامية بالفطرة وذات رسالة. تحدثت عن الأخلاق، وعن عزلة المحامي، وعن الخط الرفيع بين التفاني والتجاوز. كانت بليغة، وواثقة، ومقنعة. رأى المشاهد امرأة تمسك بزمام الأمور بقوة.
إذا عدت لمشاهدة تلك اللقطات اليوم، ستشعر بشيء من عدم الارتياح. هل كانت تلك هي إينيز فاسكي الحقيقية، أم كانت مجرد واجهة انهارت مع أول اتهام؟ أعتقد أن الإجابة تكمن في مكان ما بين الاثنين. سقوطها يُظهر بالأساس كيف يمكن لنظام قائم على الثقة أن يهتز على أسسه عندما يكون أحد ركائزه نفسه تحت النار. ليس من قبيل الصدفة أن النقاش حول دور المحامي في التنظيمات الإجرامية الكبرى يعود اليوم ليتربع على قمة الأولويات.
ماذا يعني هذا للمستقبل؟
في الأشهر القادمة، ستنطلق محاكمة إينيز فاسكي بكل قوة. ما بدأ كقضية كانت تدافع فيها عن موكلها، أصبح اليوم قضية تدافع فيها عن نفسها. السؤال الذي يبقى مطروحًا ليس فقط حول إدانتها من عدمها، بل حول ما يعنيه هذا لثقة المواطن في القضاء. رأينا كيف تبذل النيابة والمحكمة في هذا الملف قصارى جهدهما لضمان نزاهة الإجراءات. ما إذا كان ذلك كافيًا، سيحدده الوقت.
بالنسبة لي، كصحفي سابق، تمثل هذه القضية عصرًا بأكمله. عصر تصبح فيه المواجهة بين الجريمة المنظمة وسيادة القانون أكثر شراسة وشخصية. إينيز فاسكي، التي كانت يومًا محامية كبرى منيعة، هي اليوم الشخص الذي ينظر في مرآة تلك المواجهة. قصتها لم تنتهِ بعد، لكن المؤكد أن نتيجتها ستطالنا جميعًا.